منع تحصيل الحكومة لمواردها.. تداعيات اقتصادية ومخاطر سياسية

السياسية - منذ ساعة و 27 دقيقة
عدن، نيوزيمن، عمار علي أحمد:

من جديد، عاد ملف تحصيل الإيرادات المركزية بالمحافظات المحررة إلى الواجهة مع تفاقم الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة، وانعكاساتها الاقتصادية الواضحة، وعلى رأسها أزمة السيولة في السوق المصرفي.

عودة هذا الملف جاءت على إثر ما أوردته وكالة «رويترز»، الاثنين، عن مسؤولين في البنك المركزي بالعاصمة عدن، بشأن عجز مالي غير مسبوق تواجهه الحكومة بسبب عجزها عن تحصيل الموارد المركزية في المناطق المحررة.

وأشار المسؤولان إلى استمرار بعض السلطات المحلية في المحافظات، وفي مقدمتها مأرب وحضرموت والمهرة وتعز، والجهات الحكومية التي تدر إيرادات، في عدم التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن.

مؤكدين أن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، وهو ما تسبب بعجزها عن دفع المرتبات، بالإضافة إلى ضعف قدرتها على توفير الوقود لمحطات توليد الكهرباء في مدينة عدن والمحافظات المجاورة.

وعقب الضجة الإعلامية الواسعة التي أحدثها تقرير الوكالة، عقد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الثلاثاء، اجتماعًا مصغرًا للحكومة ومحافظي المحافظات المحررة، ركز بشكل واضح على ملف الإيرادات والعلاقة بين الحكومة والسلطات المحلية.

وكان لافتًا تشديد الاجتماع على الالتزام الصارم بتنفيذ قرارات مجلس القيادة الرئاسي، وفي مقدمتها القرار رقم (11) لسنة 2025، بما في ذلك توريد كافة الموارد إلى الحساب العام للحكومة، وإغلاق أي حسابات خارج البنك المركزي، ورفع تقارير دورية بالجهات المتخلفة عن تنفيذ القانون.

القرار الذي أصدره المجلس مطلع نوفمبر من العام الماضي كان أشبه بمصفوفة تنفيذية لخطة الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي تعمل عليها الحكومة بدعم دولي وإقليمي، كإحدى ثمار التغيير في الموقف الدولي من ملف اليمن بعد الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

إلا أن عودة المجلس للحديث عن ضرورة تطبيق القرار بعد نحو ستة أشهر من إصداره يُعد إقرارًا ضمنيًا بالعجز عن ذلك، وأن الأمور لا تزال في نقطة الصفر فيما يتعلق بخطة الإصلاحات، وهو ما يكشف عن وجود أزمة حقيقية داخل صفوف مجلس القيادة الرئاسي، المعني الأول بتطبيق القرار.

فأبرز المحافظات المحررة المتهمة بمنع تحصيل الحكومة لإيراداتها (مأرب وحضرموت) محافظاهما عضوان في مجلس القيادة الرئاسي (سلطان العرادة وسالم الخنبشي)، ما يعني أن مسألة حسم تحصيل الإيرادات المركزية تتجاوز سلطة الحكومة وقدرتها، وباتت مرتبطة بالدرجة الأولى بمجلس القيادة الرئاسي واقتناع أعضائه بتطبيق القرار.

كما أن استمرار عجز الحكومة عن تحصيل إيراداتها يكشف أيضًا عن استمرار أحد أبرز مظاهر الخلل في أداء الشرعية خلال السنوات الماضية، والمتعلق بتحديد الصلاحيات بين المركز ممثلًا بالحكومة في عدن والسلطات المحلية في المحافظات المحررة، التي بات بعضها يتعامل باستقلالية شبه كلية عن الحكومة.

وهو ما أشار إليه رئيس مجلس القيادة في حديثه بالاجتماع، بشأن ضرورة احترام الأطر القانونية المنظمة للعلاقة بين مكونات السلطة التنفيذية، وفقًا للدستور والقانون.

وإلى جانب التداعيات الاقتصادية والمالية الواضحة لعجز الحكومة عن تحصيل إيراداتها في المحافظات المحررة، فإن مخاطر الأمر لا تقف عند هذا الجانب، بل إن المخاطر السياسية ربما تهدد وحدة وتماسك سلطة الشرعية بحد ذاتها.

فاستمرار امتناع محافظات عن توريد الإيرادات المركزية يقابله التزام محافظات أخرى، وعلى رأسها العاصمة عدن، في هذا الملف، رغم ما تعانيه المدينة من تدهور مستمر في ملف الخدمات، وبخاصة الكهرباء، جراء عجز الحكومة المالي عن الإيفاء بالتزاماتها، وعلى رأسها توفير الوقود وتأمين تكلفة الصيانة لمحطات التوليد.

معاناة العاصمة عدن في ملف الخدمات، وعلى رأسها الكهرباء، تأتي رغم أنها تُعد المحافظة الوحيدة التي تُحصّل فيها الإيرادات المركزية للبنك المركزي دون عرقلة، وعلى رأس هذه الإيرادات الإيرادات الجمركية من موانئ عدن، والتي تشير المصادر إلى أنها تفوق 30 مليار ريال شهريًا.

وفي هذا السياق، كانت لافتة الرسالة التي وجهتها سلطة العاصمة عدن، أمس الثلاثاء، إلى الحكومة في اجتماع المكتب التنفيذي للعاصمة، برئاسة المحافظ عبد الرحمن شيخ، لمناقشة أداء قطاعي الكهرباء والصحة والوقوف على أبرز التحديات التي تواجه المدينة.

حيث أعرب المكتب التنفيذي عن أمله في تسريع استجابة الحكومة لمعالجة عدد من القضايا المركزية، وفي مقدمتها دعم قطاعي الكهرباء والصحة، وتوفير الموارد اللازمة لضمان استمرارية الخدمات وتحسين جودتها، مشيرًا إلى تحمّل السلطة المحلية أعباء مالية كبيرة، بما في ذلك نفقات ذات طابع مركزي في قطاعات الكهرباء والصحة وعدد من المجالات الحيوية.

التذمر الذي تبديه سلطة عدن من تقصير الحكومة يتزامن مع الموقف الذي أبداه مؤخرًا محافظ حضرموت وعضو مجلس القيادة الرئاسي، سالم الخنبشي، برفض تزويد المدينة بالكميات المطلوبة من وقود النفط الخام المنتج من المحافظة لتشغيل محطة «بترومسيلة» في عدن بطاقتها الكاملة، كأحد الحلول للتخفيف من أزمة الكهرباء صيفًا.

المحطة التي تحتاج إلى نحو عشرة آلاف برميل نفط يوميًا، كان الخنبشي قد طالب بدفع مبلغ 20 دولارًا ثمنًا لكل برميل نفط تحتاجه المحطة من نفط حضرموت، باعتباره نفطًا مصدرًا إلى خارج المحافظة، رغم كونه ثروة سيادية يتم التصرف بها من قبل الحكومة، وليس من قبل السلطة المحلية.

هذه المفارقة بين عدن وحضرموت تعيد إلى الأذهان القرار الذي كان قد اتخذه محافظ عدن السابق أحمد لملس منتصف عام 2023، بمنع توريد إيرادات المحافظة إلى البنك المركزي وتسخيرها لصالح الخدمات، وعلى رأسها الكهرباء، وهو القرار الذي أثار حينها ضجة سياسية.

وعلى الرغم من تراجع المحافظ حينها تحت ضغط سياسي، إلا أن استمرار المعايير المزدوجة في التعامل مع ملف الإيرادات المركزية قد يعيد المشهد من جديد، سواء بقرار من السلطة الحالية أو بضغط من الشارع، وهو ما يقدم صورة واضحة لمخاطر استمرار العجز في ملف تحصيل الإيرادات المركزية.