القاعدة وحكومة أردوغان.. تقرير يكشف خفايا اغتيال السفير الروسي في أنقره

السياسية - منذ 4 ساعات و 58 دقيقة
عدن، نيوزيمن، ترجمة:

أعادت مجلة نورديك مونيتور  فتح ملف اغتيال السفير الروسي لدى تركيا أندريه كارلوف، من خلال تقرير استقصائي موسع اتهم حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالتستر المنهجي على شبكات متشددة مرتبطة بتنظيم القاعدة، والتلاعب بمسار التحقيقات التي أعقبت عملية الاغتيال التي هزت أنقرة أواخر عام 2016.

ويستند التقرير إلى مراجعة آلاف الصفحات من وثائق القضية، شملت ملاحق التحقيق الرسمية، وسجلات الاتصالات الهاتفية، والتحويلات المالية، وإفادات شهود ومتهمين، إلى جانب تقارير استخباراتية وقضائية قالت المجلة إنها تكشف "صورة مغايرة" للرواية الرسمية التي تبنتها السلطات التركية طوال السنوات الماضية.

ويرى التقرير أن القضية لم تكن مجرد عملية اغتيال نفذها عنصر متطرف بمفرده، بل عملية معقدة ارتبطت بشبكات دينية وجهادية نشطت داخل تركيا وخارجها، في ظل ما وصفه بـ"تساهل حكومي" مع هذه الجماعات خلال سنوات الحرب السورية.

بحسب التقرير، فإن لائحة الاتهام التي أعدها المدعي العام التركي آدم أكينجي في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، بعد عامين تقريبًا من الجريمة، لم تسعَ إلى كشف جميع خيوط العملية، بل ركزت – وفق المجلة – على "احتواء التداعيات السياسية" للجريمة وإبعاد الشبهات عن دوائر وشخصيات مرتبطة بالتيارات المتشددة داخل تركيا.

تشكيك في التحقيقات

وقالت المجلة إن التحقيق التركي تجاهل عمدًا أدلة مهمة تتعلق بعلاقات القاتل بشبكات دينية وجهادية، مقابل الترويج لرواية تتهم خصوم الحكومة التركية، لا سيما شخصيات مرتبطة بحركة الخدمة التي تتهمها أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز 2016.

وأشار التقرير إلى أن موسكو لم تُظهر اقتناعًا كاملًا بنتائج التحقيق التركي أو بالأحكام القضائية اللاحقة، مضيفًا أن السلطات الروسية خففت لاحقًا من مشاركتها في جلسات المحاكمة، مع استمرارها في متابعة القضية بشكل منفصل عبر أجهزتها الأمنية والاستخباراتية.

كما نقل التقرير تقديرات تفيد بأن روسيا فضلت "تجميد الملف سياسيًا" في تلك المرحلة بسبب طبيعة العلاقات الإقليمية المعقدة مع تركيا، دون أن يعني ذلك إغلاق القضية بشكل نهائي. وكشف التقرير أن منفذ عملية الاغتيال، الشرطي التركي مولود ميرت ألتينتاش، لم يكن مجرد فرد متشدد تصرف بصورة منفردة، بل تأثر – بحسب الوثائق – بعدد من رجال الدين المتشددين والشخصيات المرتبطة بالتيار الجهادي داخل تركيا.

ومن أبرز الأسماء التي وردت في التقرير الداعية نور الدين يلدز، الذي وصفته المجلة بأنه رجل دين متشدد يتمتع بعلاقات وثيقة مع الأوساط المقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم. وأوضح التقرير أن ألتينتاش كان يحضر بصورة منتظمة الدروس والمحاضرات التي كان يقدمها يلدز في أنقرة تحت مظلة "مؤسسة النسيج الاجتماعي"، وهي مؤسسة قالت المجلة إنها لعبت دورًا في نشر الخطاب الديني المتشدد.

ورغم ورود اسمه في إفادات وشهادات متعددة، أكد التقرير أن السلطات التركية لم تستدعِ يلدز للتحقيق، ولم تدرجه ضمن قائمة المشتبه بهم أو حتى الشهود.

كما تحدث التقرير عن رجل الدين حسني أكتاش، الذي سبق أن واجه اتهامات مرتبطة بدعم جماعات شيشانية متشددة، مشيرًا إلى أن القاتل كان يحضر خطبه ويلتقي بأشخاص من دائرته المقربة.

صلات مزعومة بتنظيم القاعدة

ووفقًا لما ورد في التقرير، فإن التحقيقات والوثائق المالية كشفت وجود روابط مباشرة وغير مباشرة بين منفذ العملية وشخصيات مرتبطة بتنظيم القاعدة أو شبكات دعمت جماعات متشددة في سوريا.

وأشار التقرير إلى أسماء مثل إبراهيم شن وعبد الرحمن شن، اللذين تحدثت المجلة عن علاقات سابقة لهما بجماعات جهادية وبملفات مرتبطة بالحرب السورية، موضحة أن منفذ العملية التقى بأحدهما في إسطنبول قبل أشهر من الاغتيال.

كما أظهرت الوثائق – بحسب التقرير – تحويلات مالية واتصالات متكررة بين القاتل وأشخاص سبق إدانتهم أو التحقيق معهم في قضايا تتعلق بالقاعدة والجماعات المتشددة. ورغم هذه المعطيات، قالت المجلة إن الادعاء التركي لم يتوسع في ملاحقة تلك الشبكات، واكتفى بأخذ إفادات محدودة لبعض الأسماء دون توجيه اتهامات رسمية.

وسلط التقرير الضوء على ما وصفه بدور جمعيات ومنظمات خيرية ودعوية في تشكيل البيئة الفكرية المحيطة بالقاتل، من بينها مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية "IHH". وأشار إلى أن سجلات التحويلات المالية أظهرت قيام ألتينتاش بإرسال عدة دفعات مالية لصالح المؤسسة خلال عامي 2015 و2016، إضافة إلى مشاركته في أنشطة مرتبطة بقوافل دعمت الفصائل المسلحة في سوريا، خصوصًا خلال فترة المعارك في مدينة حلب.

ووفقًا للتقرير، فإن أحد المقربين من القاتل أفاد بأن ألتينتاش كان يرغب بالسفر إلى سوريا والانضمام إلى الجماعات المقاتلة هناك، وكان يتحدث باستمرار عن "الجهاد" وضرورة دعم الفصائل المسلحة. وأضاف التقرير أن تلك المعطيات لم تحظَ بتحقيق معمق داخل الملف الرسمي، رغم ارتباطها المباشر بخلفية القاتل الفكرية وتحركاته قبل تنفيذ العملية.

حملة تضليل بعد الاغتيال

اتهمت المجلة الحكومة التركية بإطلاق حملة إعلامية ممنهجة عقب الاغتيال، هدفت – بحسب وصفها – إلى صرف الأنظار عن الشبكات الجهادية والتركيز على خصوم الحكومة. وأشار التقرير إلى أن شخصيات إعلامية مقربة من السلطة سارعت بعد دقائق من الاغتيال إلى نشر مزاعم تربط القاتل بصحفيين معارضين وشخصيات مرتبطة بحركة الخدمة، قبل أن يتبين لاحقًا عدم صحة تلك الادعاءات.

كما اتهم التقرير وسائل إعلام موالية للحكومة التركية، وعلى رأسها صحيفة "صباح"، بالاستمرار في ترويج الرواية الرسمية رغم ظهور معطيات تناقضها خلال التحقيقات والمحاكمات.

وفي أحد أكثر محاور التقرير إثارة للجدل، تحدثت المجلة عن ملابسات مقتل منفذ الاغتيال خلال العملية الأمنية التي أعقبت الحادث. وقالت إن القاتل كان مصابًا ويمكن اعتقاله حيًا، إلا أن السلطات قررت تصفيته ميدانيًا، ما حال – بحسب التقرير – دون كشف مزيد من المعلومات حول الجهات التي ربما ساعدته أو خططت للعملية.

وأشار التقرير إلى أن تشريح الجثة أظهر تعرضه لعشرات الطلقات النارية، بينها إصابات قاتلة متعددة، معتبرًا أن حجم القوة المستخدمة يثير تساؤلات حول الهدف من قتله بدل اعتقاله. كما تناول التقرير دور وزير الداخلية التركي الأسبق سليمان صويلو، مشيرًا إلى وصوله السريع إلى موقع الحادث وإشرافه المباشر على العملية الأمنية.

مزاعم تعذيب وتلفيق اعترافات

وتطرق التقرير إلى شهادات أدلى بها متهمون خلال جلسات المحاكمة، تحدثوا فيها عن تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة خلال التحقيقات. وأشار إلى أن بعض المتهمين قالوا إنهم أُجبروا على توقيع إفادات تدين أشخاصًا بعينهم، فيما تحدث آخرون عن تعرضهم لضغوط نفسية وجسدية لإجبارهم على تبني رواية الادعاء.

كما نقل التقرير مزاعم حول محاولات إغراء بعض الشهود بمبالغ مالية أو وعود بتخفيف الأحكام مقابل تقديم شهادات تدعم الاتهامات الرسمية.

ورغم أن القضاء التركي أنهى القضية رسميًا عام 2023 بعد تثبيت معظم الأحكام الصادرة بحق المتهمين، يرى التقرير أن موسكو لم تعتبر الملف مغلقًا بشكل نهائي. وأشار إلى أن روسيا واصلت تقييمها الخاص لمسار التحقيقات والجهات المتورطة في العملية، مع احتفاظها – بحسب المجلة – بخيارات مفتوحة للتعامل مع القضية في المستقبل.

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن اغتيال السفير الروسي ما يزال يمثل إحدى أكثر القضايا غموضًا وحساسية في العلاقات الروسية التركية، في ظل استمرار التساؤلات حول حقيقة الشبكات التي تقف خلف العملية، وحدود العلاقة بينها وبين دوائر داخل الدولة التركية خلال سنوات الحرب السورية.