اليمن في مواجهة أزمة مركبة.. جوع متصاعد واقتصاد منهار
السياسية - منذ 4 ساعات و 10 دقائق
عدن، نيوزيمن، خاص:
رغم المؤشرات الأممية التي تحدثت عن تحسن نسبي محدود في مستويات الأمن الغذائي خلال الأشهر الماضية، لا تزال اليمن تقف على حافة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، وسط تحذيرات متصاعدة من أن أي صدمات جديدة في أسعار الغذاء والوقود قد تدفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر خطورة من الجوع والفقر والانهيار المعيشي.
وفي بلد أنهكته الحرب والانقسام الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية، تبدو أي مؤشرات للتحسن هشة ومؤقتة، في ظل اقتصاد يواصل الانكماش، وعملة تعاني من التدهور، وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة، إلى جانب اتساع الاعتماد على المساعدات الإنسانية والتحويلات الخارجية للبقاء على قيد الحياة.
برنامج الغذاء العالمي حذر قبل أيام من تزايد حدة الجوع في اليمن نتيجة الاضطرابات التي تشهدها سلاسل التوريد العالمية وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، بفعل تداعيات النزاع الإقليمي المتصاعد.
وقال البرنامج إن نحو 18 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي يواجهون خطر الانزلاق إلى مستويات أشد من الجوع، في ظل الضغوط المتزايدة على الاقتصاد اليمني وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
وأوضح البرنامج، في بيان نشره عبر منصة "إكس"، أن التصعيد الإقليمي أدى إلى ارتفاع تكاليف الوقود والشحن والتأمين، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء في اليمن، البلد الذي يعتمد على الاستيراد لتوفير نحو 90% من احتياجاته الغذائية، بما في ذلك القمح.
وأشار إلى أن عمليات طحن القمح محلياً تعتمد بشكل أساسي على الوقود، ما يجعل أي ارتفاع في أسعاره يضاعف تكاليف الغذاء على المستهلكين، خاصة مع فرض أقساط تأمين إضافية ضد مخاطر الحرب قد تصل إلى نحو 3 آلاف دولار للحاوية الواحدة.
وأكد البرنامج الأممي أن أسعار المواد الغذائية الأساسية، خصوصاً الزيوت النباتية، بدأت بالفعل بالارتفاع تماشياً مع اتجاهات السوق العالمية، محذراً من أن أي زيادات إضافية قد تدفع الأسر اليمنية، التي تعاني أصلاً من أوضاع مالية متدهورة، إلى حافة الانهيار الكامل.
تحسن نسبي لكنه هش
ورغم هذه التحذيرات، كشف تقرير حديث صادر عن برنامج الغذاء العالمي عن تسجيل تحسن نسبي في مؤشرات الأمن الغذائي خلال شهر مارس/آذار الماضي، مع انخفاض عدد الأسر غير القادرة على تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية الأساسية بنسبة 7%.
وذكر التقرير أن 50% من الأسر التي شملها الاستطلاع على مستوى البلاد أفادت بعدم قدرتها على تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية خلال مارس/آذار 2026، مقارنة بـ57% في فبراير/شباط.
وأشار إلى أن معدلات نقص الغذاء تراجعت في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً بنسبة 10 نقاط مئوية لتصل إلى 52% من الأسر، بينما انخفضت في مناطق سيطرة الحوثيين بنسبة 5 نقاط مئوية لتبلغ 49%.
كما شهدت معدلات الحرمان الغذائي الشديد انخفاضاً ملحوظاً، إذ تراجعت من 36% في يناير/كانون الثاني إلى 25% في مارس/آذار، فيما أفادت 10% من الأسر في مناطق الحوثيين بأن أحد أفرادها اضطر لقضاء يوم كامل دون طعام بسبب نقص الغذاء.
وعزا البرنامج هذا التحسن النسبي إلى زيادة المساعدات المالية والخيرية خلال شهر رمضان، إلى جانب تدفقات التحويلات المالية من الخارج، وتحسن سعر صرف العملة المحلية، وصرف جزء من رواتب القطاع العام، فضلاً عن توزيع مساعدات غذائية للفئات الأكثر ضعفاً.
لكن التقرير شدد في الوقت نفسه على أن معظم المحافظات اليمنية لا تزال تتجاوز عتبة "الحرمان الغذائي الشديد"، خاصة في محافظات صعدة والبيضاء والجوف وحجة ولحج والضالع وأبين، ما يعني أن التحسن الحالي لا يعكس تعافياً حقيقياً بقدر ما يمثل تخفيفاً مؤقتاً للضغوط المعيشية.
اقتصاد يواصل الانهيار
وبالتوازي مع أزمة الغذاء، كشفت بيانات رسمية حديثة صادرة عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي عن حجم الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد بعد سنوات الحرب المستمرة.
وأوضح ملخص المؤشرات الاقتصادية والتنموية للأعوام 2024-2025 أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي لليمن انكمش بنسبة 43% بين عامي 2015 و2024، فيما بلغت الخسائر التراكمية للاقتصاد اليمني نحو 126 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى 422 مليار دولار بحلول عام 2030.
كما أظهر التقرير تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 471 دولاراً فقط خلال 2024، مقارنة بـ1430 دولاراً في عام 2014، في مؤشر يعكس الانخفاض الحاد في مستويات الدخل والمعيشة.
وفي جانب الفقر، بيّن التقرير أن نسبة الفقر متعدد الأبعاد بلغت أكثر من 50%، مع ارتفاعها في المناطق الريفية إلى 51.1%، ما يعني أن نصف سكان اليمن تقريباً يعانون من أشكال متعددة من الحرمان تشمل الغذاء والتعليم والصحة والخدمات الأساسية.
وسجلت بطالة الشباب مستوى مرتفعاً بلغ 32.4%، وهو معدل يفوق المتوسط العالمي بفارق كبير، في وقت تتقلص فيه فرص العمل وتتراجع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية في البلاد.
وعلى الصعيد الإنساني، تشير التقديرات إلى أن 23.1 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال عام 2026، مقارنة بـ19.5 مليون في 2025، ما يعكس اتساع دائرة الاحتياجات الإنسانية عاماً بعد آخر.
وفي المقابل، تراجعت نسبة تمويل خطط الاستجابة الإنسانية إلى 28% فقط خلال 2025، مقارنة بمتوسط بلغ 64% خلال السنوات السابقة، الأمر الذي يهدد بتقليص برامج الإغاثة والدعم الغذائي والصحي لملايين المحتاجين.
ويرى مراقبون أن هذا التراجع في التمويل الدولي يأتي في وقت تواجه فيه اليمن تحديات مركبة تشمل الحرب والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي والتغيرات المناخية والتصعيد الإقليمي، ما يجعل البلاد أكثر هشاشة أمام أي أزمات إضافية.
بين المساعدات والانهيار الاقتصادي
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار اعتماد اليمن بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية والتحويلات المالية الخارجية، دون وجود إصلاحات اقتصادية جذرية أو استعادة فعّالة لدور المؤسسات المالية والنقدية، سيُبقي البلاد داخل دائرة مغلقة من الهشاشة البنيوية والانهيار المتكرر، مع محدودية القدرة على تحقيق أي تعافٍ اقتصادي مستدام.
ويؤكد الخبراء أن الاقتصاد اليمني لم يعد يعاني فقط من آثار الحرب، بل من تفكك هيكلي عميق طال الإنتاج المحلي، وسوق العمل، والنظام المالي، وسلاسل الإمداد الداخلية، ما جعل البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين الغذاء والدواء والوقود، في ظل غياب قاعدة إنتاجية قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية.
ويشير الخبراء إلى أن "الاقتصاد اليمني يعيش حالة اعتماد قسري على الخارج، حيث أصبحت التحويلات والمساعدات بمثابة صمام أمان مؤقت يمنع الانهيار الكامل، لكنها في الوقت نفسه لا تبني اقتصاداً ولا تعالج جذوره"، موضحاً أن أي تراجع في الدعم الخارجي أو اضطراب في تدفقات المساعدات قد يدفع الأوضاع المعيشية إلى مستويات أكثر خطورة.
ويضيف الخبراء أن "الاقتصاد في وضعه الحالي لا يمتلك أدوات حماية ذاتية، سواء من التضخم أو من تقلبات أسعار الصرف أو من اضطرابات الأسواق العالمية، وهو ما يجعل أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع تكاليف الشحن أو الوقود أو التأمين، تنتقل مباشرة وبشكل مضاعف إلى المواطن اليمني".
وحذروا من أن أي تصعيد جديد في الإقليم، أو اضطرابات في حركة الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد الدولية، قد يؤدي إلى موجات جديدة من التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، في بلد يعتمد على الاستيراد لتغطية نحو 90% من احتياجاته الغذائية، وهو ما يفاقم من هشاشة الأمن الغذائي ويضغط بشكل أكبر على الأسر الفقيرة.
استمرار هذا الوضع يخلق ما يشبه "اقتصاد البقاء"، حيث تتحول المساعدات الإنسانية والتحويلات المالية إلى المصدر الأساسي لتأمين الاحتياجات اليومية، بدلاً من أن تكون جزءاً من عملية تنمية اقتصادية أوسع، وهو ما يعمّق التبعية الخارجية ويضعف فرص التعافي الحقيقي.
وبين تحسن محدود تدفعه المساعدات الموسمية والتحويلات المالية، وتحذيرات أممية متزايدة من موجات جوع أشد قسوة في المستقبل، تبدو اليمن اليوم أمام معادلة اقتصادية شديدة التعقيد؛ اقتصاد يواصل الانهيار بوتيرة متسارعة، وأزمة إنسانية تتوسع بشكل مطرد، فيما يظل ملايين اليمنيين عالقين بين الفقر المدقع والجوع وانعدام الأفق الاقتصادي، في ظل غياب أي مؤشرات واضحة على تعافٍ قريب.
>
