لائحة اتهام أمريكية: تركيا ممر رئيسي لتهريب الأسلحة الإيرانية إلى السودان

السياسية - منذ ساعة و 50 دقيقة
ستوكهولم، نيوزيمن:

كشفت مجلة نورديك مونيتور، عن شبكة تهريب أسلحة إيرانية معقدة استخدمت تركيا كمركز مالي ولوجستي رئيسي لنقل الطائرات المسيّرة والذخائر والمعدات العسكرية إلى الجيش السوداني، في قضية يُتوقع أن تفتح باباً واسعاً أمام تدقيق غربي متزايد في دور أنقرة ضمن شبكات الالتفاف على العقوبات الدولية.

التحليل استند إلى لائحة اتهام اتحادية أمريكية ووثائق صادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، أوضح إن لائحة الاتهام المقدمة أمام محكمة المقاطعة الأمريكية للمنطقة الوسطى في ولاية كاليفورنيا في الأول من مايو الجاري، تتهم المواطنة الإيرانية شميم مافي، المعروفة أيضاً باسم "راحلة مافي"، بالتآمر لخرق العقوبات الأمريكية عبر التوسط في صفقات أسلحة لصالح الحرس الثوري الإيراني ووزارة الدفاع الإيرانية وكيانات عسكرية سودانية، باستخدام شبكة مالية وتجارية امتدت بين تركيا وسلطنة عُمان والولايات المتحدة.

وأظهرت وثائق المحكمة أن تركيا لم تكن مجرد محطة عبور، بل شكلت "عقدة تشغيلية" أساسية في عمليات تحويل الأموال وتنسيق المدفوعات المتعلقة بشحنات الأسلحة الإيرانية إلى السودان، في ظل الحرب الأهلية المستمرة هناك، والتي تعد واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفقاً للائحة الاتهام، استخدمت الشبكة بنوكاً وشركات صرافة تركية لتحويل أموال مرتبطة بعقود عسكرية ضخمة، شملت طائرات مسيرة هجومية من طراز "مهاجر-6"، وقنابل جوية، وصواعق تفجير، إضافة إلى أكثر من 240 مليون طلقة ذخيرة لبنادق كلاشينكوف، بقيمة تتجاوز 100 مليون دولار.

وكشفت إحدى المحادثات المدرجة في ملف القضية أن مافي نصحت وسطاء سودانيين بتجنب القنوات المصرفية الرسمية والاعتماد بدلاً من ذلك على أنظمة التحويل النقدي في تركيا، مشيرة إلى إمكانية استقبال الأموال نقداً عبر شركات صرافة تركية، مع تقسيم المبالغ إلى دفعات صغيرة لتفادي لفت انتباه الجهات الرقابية.

ويعيد هذا التطور إلى الواجهة المخاوف الغربية المتكررة من ضعف الرقابة على قطاع الصرافة والتحويلات المالية في تركيا، رغم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية عقب إدراج البلاد على "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF) عام 2021 بسبب أوجه قصور في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، قبل رفع اسمها من القائمة عام 2024 بعد تعهدات بإصلاحات تنظيمية.

غير أن الوثائق الأمريكية الجديدة، وفق المجلة، تشير إلى استمرار وجود ثغرات كبيرة في النظام المالي التركي، تسمح بمرور تدفقات مالية مرتبطة بشبكات تهريب أسلحة وعمليات التفاف على العقوبات الدولية المفروضة على إيران.

وتوضح القضية أن شميم مافي انتقلت إلى تركيا منذ عام 2013، حيث بنت شبكة علاقات واسعة مع شركات دفاعية تركية، وأسست شركات داخل الأراضي التركية، قبل انتقالها لاحقاً إلى الولايات المتحدة وحصولها على إقامة دائمة في ولاية كاليفورنيا.

وبحسب التحقيقات، فإن مافي أدارت شركة واجهة في سلطنة عُمان تحت اسم "Atlas International Business LLC"، استخدمت – وفق الادعاء – كغطاء لتنسيق صفقات أسلحة لصالح طهران، بينما كانت تتنقل باستمرار بين الولايات المتحدة وتركيا وإيران ودول خليجية أبرزها عُمان.

كما كشفت إفادة مكتب التحقيقات الفيدرالي عن ارتباطات وثيقة لمافي بمسؤولين في وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، حيث أشارت الوثائق إلى أن زوجها الأول كان يعمل في الوزارة، وأنها حافظت على تواصل مستمر مع شخصيات استخباراتية إيرانية حتى مطلع عام 2026.

وأشارت الوثائق أيضاً إلى أن مافي شغلت موقعاً في الحملة الرئاسية لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف خلال انتخابات 2024، وهو ما اعتبره المحققون دليلاً إضافياً على قربها من دوائر النفوذ المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

ومن أبرز ما كشفته القضية، بحسب التحليل، وجود مؤشرات على تعاون بين شركات دفاعية تركية وشبكات التوريد العسكري الإيرانية، إذ عثر المحققون بحوزة مافي على كتيب ترويجي لشركة دفاعية تركية كبرى يتضمن قنابل جوية إيرانية من طراز "OJAN-500"، استخدمت ضمن مفاوضات تسليح موجهة إلى السودان.

وذكرت المجلة أن هذا الأمر يثير تساؤلات حساسة حول احتمال استفادة شركات دفاعية تركية من التكنولوجيا العسكرية الإيرانية، أو تورطها في عمليات تسويق وإعادة تصدير معدات مرتبطة ببرامج التسليح الإيرانية، رغم العقوبات الغربية المفروضة على طهران.

كما نقلت وثائق التحقيق عن مافي قولها إن "العديد من شركات الدفاع التركية حصلت على تقنياتها من إيران عبر شراء معدات عسكرية إيرانية ثم إجراء هندسة عكسية لها لإنتاجها بكميات كبيرة"، وهو ادعاء وصفه التحليل بأنه قد يحمل تداعيات استراتيجية خطيرة إذا ثبتت صحته.

ويشير التقرير إلى أن القضية تعيد تسليط الضوء على العلاقات المعقدة بين أنقرة وطهران، فرغم عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، فإن حكومة رجب طيب أردوغان عززت خلال السنوات الأخيرة تعاونها الاقتصادي والسياسي مع إيران، ورفضت الانضمام الكامل إلى العقوبات الغربية المشددة المفروضة عليها.

كما يربط التحليل القضية بفضيحة "بنك هالك" التركي الشهيرة، التي اتهمت فيها السلطات الأمريكية البنك الحكومي التركي بالمساعدة في الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران عبر صفقات ذهب وتحويلات مالية سرية بمليارات الدولارات.

وبحسب الادعاء الأمريكي، فإن مافي أقرت خلال مقابلة أجراها معها مكتب التحقيقات الفيدرالي في مطار لوس أنجلوس خلال أبريل 2026 بأنها كانت تعلم أن أنشطتها تنتهك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

وتسعى السلطات الأمريكية، وفق ملف القضية، إلى مصادرة أصول مرتبطة بالشبكة، مع توجيه اتهامات بالتآمر وخرق العقوبات والمساعدة في انتهاك قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA).

ورجحت المجلة أن تقود القضية إلى توجيه اتهامات إضافية ضد أفراد أو شركات داخل تركيا، إضافة إلى تصاعد الضغوط الأمريكية والأوروبية لتشديد الرقابة على القنوات المالية والتجارية التركية المستخدمة في عمليات التهرب من العقوبات ونقل الأسلحة الإيرانية إلى مناطق الصراع.