تحرك إماراتي لتأمين صادرات النفط بعيداً عن مضيق هرمز
السياسية - منذ ساعة و 52 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:
كشفت تقارير دولية عن تحرك إماراتي متسارع لإعادة رسم خريطة صادراتها النفطية وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، في خطوة تعكس حجم القلق الخليجي المتزايد من التهديدات الأمنية والتوترات الإقليمية المتصاعدة، خصوصاً مع استمرار إيران في التلويح بورقة المضيق كأداة ضغط جيوسياسية واقتصادية.
وبحسب تقرير نشرته مجلة ذا ماريتايم إكزكيوتيف، فإن شركة أدنوك، المملوكة لحكومة الإمارات العربية المتحدة، تعمل على تسريع تنفيذ مشروع خط أنابيب نفطي جديد من شأنه مضاعفة القدرة التصديرية للدولة عبر ميناء الفجيرة، بما يسمح بتجاوز مضيق هرمز وتقليص المخاطر المرتبطة به.
ويأتي المشروع في توقيت شديد الحساسية، مع تصاعد التوترات في الخليج العربي واستمرار المخاوف الدولية من أي اضطراب قد يصيب أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، والذي تمر عبره يومياً ملايين البراميل المتجهة إلى الأسواق العالمية.
توجيهات مباشرة
وأعلنت "أدنوك" أن اللجنة التنفيذية للشركة عقدت اجتماعاً برئاسة ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، حيث أصدر توجيهات مباشرة بـ"تسريع وتيرة إنجاز المشروع"، في رسالة تعكس الأهمية الاستراتيجية المتزايدة التي بات يحظى بها ملف أمن الطاقة وخطوط التصدير البديلة في الحسابات الإماراتية.
وأوضحت الشركة أن أعمال الإنشاء بدأت بالفعل في مشروع خط الأنابيب الجديد الممتد بين شرق وغرب الدولة، والذي سيعمل على نقل النفط الخام إلى ميناء الفجيرة المطل على خليج عمان، بعيداً عن مضيق هرمز الذي تسيطر إيران على أحد أهم جوانبه البحرية.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن الخط الجديد سيضيف قدرة تصديرية تصل إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً، وهو ما يعني عملياً مضاعفة صادرات "أدنوك" عبر الفجيرة، وتعزيز قدرة الإمارات على الحفاظ على تدفق صادراتها النفطية حتى في حال تعطل الملاحة عبر المضيق.
ويرى مراقبون أن هذا المشروع لا يمثل مجرد توسعة للبنية التحتية النفطية، بل يعكس تحولاً استراتيجياً في طريقة تعامل الإمارات مع التهديدات الجيوسياسية، عبر بناء مسارات تصدير آمنة ومستقلة نسبياً عن نقاط الاختناق التقليدية في الخليج.
ويُعد مضيق هرمز واحداً من أخطر وأهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، ما جعله طوال العقود الماضية مركزاً دائماً للتوترات العسكرية والسياسية. وتزداد حساسية المضيق في ظل التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه، خاصة خلال فترات التصعيد مع الولايات المتحدة والدول الخليجية.
وأشار التقرير إلى أن الإمارات كانت من بين أكثر الدول الخليجية تعرضاً للاستهداف خلال السنوات الماضية، بما في ذلك الهجمات التي استهدفت ميناء الفجيرة وناقلات النفط والمنشآت الحيوية، الأمر الذي دفع أبوظبي إلى تسريع البحث عن بدائل استراتيجية تقلل من تعرض صادراتها لأي تهديدات مستقبلية.
ويرى محللون أن الإمارات باتت تنظر إلى أمن الطاقة باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي، خصوصاً في ظل تزايد استخدام الممرات البحرية في الصراعات الإقليمية كورقة ضغط سياسية وعسكرية. كما أن استمرار حالة عدم اليقين في الخليج، إلى جانب التهديدات المرتبطة بالحرب الإقليمية والتوترات البحرية، جعلت من بناء خطوط أنابيب بديلة خياراً استراتيجياً وليس مجرد مشروع اقتصادي.
ويحتل ميناء الفجيرة موقعاً محورياً في الاستراتيجية الإماراتية الجديدة، نظراً لوقوعه خارج مضيق هرمز على خليج عمان، ما يسمح لناقلات النفط بالوصول إليه دون الحاجة لعبور المضيق. ومنذ سنوات، عملت الإمارات على تطوير الفجيرة لتصبح مركزاً عالمياً لتخزين وتصدير النفط، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وقربها من خطوط الملاحة الدولية.
وكانت "أدنوك" قد دشنت في عام 2012 خط أنابيب حبشان – الفجيرة بطاقة تبلغ نحو 1.5 مليون برميل يومياً، غير أن التطورات الإقليمية الأخيرة دفعت الشركة إلى تشغيله بطاقات تفوق قدرته التصميمية. وبحسب التقرير، فإن الخط الحالي ينقل حالياً ما بين 1.7 و1.8 مليون برميل يومياً، ما يعكس حجم الضغط المتزايد على البنية التحتية الحالية، والحاجة الملحة لتوسعتها عبر المشروع الجديد المتوقع دخوله الخدمة في عام 2027.
ويرى خبراء أن الفجيرة تتحول تدريجياً إلى مركز استراتيجي بديل لموانئ الخليج التقليدية، خصوصاً مع تصاعد المخاطر الأمنية المرتبطة بمضيق هرمز.
ويأتي المشروع بالتزامن مع تحولات لافتة في السياسة النفطية الإماراتية، كان أبرزها إعلان أبوظبي انسحابها الرسمي من منظمة أوبك وتحالف "أوبك+"، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على رغبة الإمارات في اتباع سياسة إنتاج أكثر استقلالية.
وبررت الإمارات القرار بأنها تسعى إلى "حرية أكبر" في إدارة سياساتها النفطية، بينما رأى محللون أن الخطوة تعكس رغبة أبوظبي في تجاوز القيود الإنتاجية التي كانت تفرضها المنظمة.
وتسعى الإمارات إلى رفع طاقتها الإنتاجية إلى نحو 4.85 مليون برميل يومياً، مقارنة بحصتها السابقة التي كانت تقل قليلاً عن 3.5 مليون برميل يومياً. ويؤكد مراقبون أن أي توسع في الإنتاج يتطلب بالضرورة تطوير مسارات التصدير، وهو ما يفسر تسريع مشاريع خطوط الأنابيب والموانئ البديلة.
كما يرى اقتصاديون أن الإمارات تحاول ترسيخ موقعها كأحد أكثر المنتجين قدرة على تلبية احتياجات الأسواق العالمية بسرعة ومرونة، خصوصاً في ظل التقلبات الحادة التي تشهدها أسواق الطاقة.
ويضع المشروع الإماراتي أبوظبي في سياق سباق خليجي أوسع لتأمين صادرات النفط بعيداً عن مضيق هرمز، حيث تمتلك المملكة العربية السعودية أيضاً شبكة خطوط أنابيب استراتيجية تنقل النفط إلى البحر الأحمر.
ووفقاً للتقرير، تنقل خطوط الأنابيب السعودية نحو 7 ملايين برميل يومياً، ما يسمح للرياض بالحفاظ على الجزء الأكبر من صادراتها بعيداً عن أي اضطرابات محتملة في الخليج. ووصف مسؤولون في شركة أرامكو السعودية هذه الخطوط بأنها "شريان حياة بالغ الأهمية" خلال الأزمات الحالية.
ويرى محللون أن السعودية والإمارات ستكونان الدولتين الخليجيتين الوحيدتين القادرتين على تجاوز مضيق هرمز جزئياً أو كلياً في حال حدوث أي إغلاق أو تصعيد عسكري واسع.
ولا ينظر إلى المشروع الإماراتي باعتباره مشروعاً اقتصادياً فقط، بل كجزء من إعادة تشكيل معادلات الأمن والطاقة في المنطقة. فمع تصاعد التوتر بين إيران والدول الخليجية، وتحول الممرات البحرية إلى ساحات صراع وضغط سياسي، أصبحت خطوط الأنابيب البديلة أداة استراتيجية لتعزيز الردع وتقليل نقاط الضعف.
ويرى مراقبون أن تسريع الإمارات لهذا المشروع يبعث برسالة واضحة بأن أبوظبي تستعد لمرحلة طويلة من عدم الاستقرار الإقليمي، وتسعى إلى حماية اقتصادها وصادراتها النفطية من أي صدمات محتملة. كما يعكس المشروع إدراكاً خليجياً متزايداً بأن مستقبل أمن الطاقة لن يعتمد فقط على حجم الاحتياطات والإنتاج، بل على القدرة على حماية طرق الإمداد وتأمينها في مواجهة التوترات الجيوسياسية المتزايدة.
وفي ظل استمرار الغموض بشأن مستقبل مضيق هرمز وتصاعد التهديدات الإقليمية، تبدو الإمارات ماضية في بناء منظومة تصدير أكثر استقلالية ومرونة، في محاولة لتحصين اقتصادها وتعزيز موقعها كمركز عالمي للطاقة والتجارة البحرية في منطقة تتزايد فيها المخاطر يوماً بعد آخر.
>
