تلاعب إخواني في ملف قضية افتهان المشهري وإسقاط متهمين رئيسيين

السياسية - منذ ساعة و 31 دقيقة
تعز، نيوزيمن، خاص:

أعاد قرار الاتهام الصادر عن النيابة الجزائية المتخصصة بمحافظة تعز في قضية اغتيال مدير عام صندوق النظافة والتحسين، افتهان محمد أحمد المشهري، تسليط الضوء على حالة الانفلات الأمني التي تعيشها المحافظة منذ سنوات، كما أثار موجة جديدة من الجدل بشأن مدى اكتمال مسار العدالة في واحدة من أبرز القضايا الجنائية التي هزت الشارع التعزي وأثارت اهتمامًا واسعًا على المستوى الوطني.

فالقرار الذي تضمن اتهام 13 شخصًا بالتورط في الجريمة، بينهم ضباط وقادة عسكريون في وحدات تتبع محور تعز الموالي للإخوان، كشف عن جانب من شبكة العلاقات والارتباطات التي أحاطت بالقضية، لكنه في المقابل أعاد طرح تساؤلات قديمة حول مصير أسماء أخرى وردت في اعترافات سابقة للمتهم الرئيسي، ولم تظهر ضمن قائمة الاتهام النهائية التي أحالتها النيابة إلى المحكمة الجزائية المتخصصة.

وبحسب قرار الاتهام، فإن النيابة نسبت إلى المتهمين من الأول إلى السابع تشكيل عصابة مسلحة منظمة هدفت إلى الاعتداء على أموال وممتلكات الدولة، والتخطيط والتنسيق لتنفيذ عملية اغتيال افتهان المشهري. كما وجهت اتهامات مباشرة لعدد من الأشخاص بالمشاركة في الرصد والمراقبة وتوفير الوسائل اللوجستية اللازمة لتنفيذ العملية، في حين نسبت إلى آخرين تهم التحريض والتشجيع على ارتكاب الجريمة.

وما يلفت الانتباه في قرار الاتهام أن قائمة المتهمين ضمت شخصيات عسكرية بارزة، بينهم بكر صادق علي سرحان المخلافي محبوس احتياطاً ـ ضابط عقيد باللواء 22 ميكا، ومعاذ مارش قائد قاسم المخلافي فار من وجه العدالة، ومازن حمود قائد حسن محمد الملقب بـ"القاضي" فار من وجه العدالة، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على وجود ارتباط بين بعض عناصر المؤسسة العسكرية وحالة الفوضى الأمنية التي شهدتها تعز خلال السنوات الماضية.

كما تضمن القرار اتهام عدد من العسكريين بالاعتداء على أفراد الحملة الأمنية المشتركة وعرقلة جهود القبض على منفذ الجريمة عقب تنفيذها، وهي اتهامات خطيرة تعكس حجم التداخل بين بعض مراكز النفوذ العسكري والملفات الأمنية والقضائية داخل المحافظة.

ورغم أهمية هذه التطورات، إلا أن الجدل لم يتوقف عند حدود الأسماء التي شملها قرار الاتهام، بل امتد إلى الأسماء التي لم ترد فيه، خصوصًا تلك التي سبق أن وردت في اعترافات منفذ العملية محمد صادق المخلافي، الذي تحدث في تسجيلات وتحقيقات سابقة عن وجود شخصيات أخرى قال إنها لعبت دورًا محوريًا في التخطيط والتحريض والتوجيه.

ويشير متابعون للقضية إلى أن أبرز علامات الاستفهام تتركز حول غياب اسم محمد سعيد المخلافي، شقيق القيادي البارز في حزب الإصلاح الإخواني حمود المخلافي، والذي سبق أن ورد اسمه في اعترافات منسوبة لمنفذ العملية باعتباره أحد المحرضين الرئيسيين على تنفيذ الجريمة.

ويؤكد هؤلاء أن عدم ظهور اسمه ضمن قائمة الاتهام النهائية رغم ما تم تداوله من اعترافات ومعلومات سابقة، يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن الأسباب التي أدت إلى استبعاده من ملف القضية، وما إذا كان ذلك يعود إلى نقص الأدلة القانونية أو إلى اعتبارات أخرى مرتبطة بطبيعة التوازنات السياسية والعسكرية داخل المحافظة.

وتضاعفت الشكوك المحيطة بالقضية بعد مقتل المنفذ الرئيسي محمد صادق المخلافي خلال حملة أمنية شهدتها تعز عقب تنفيذ الجريمة. فبالنسبة لكثير من المراقبين، كان من الممكن أن تشكل محاكمة المنفذ فرصة لكشف مزيد من التفاصيل حول الجهات التي خططت ومولت وأدارت العملية من خلف الستار، إلا أن تصفيته أغلق واحدًا من أهم المسارات التي كان يمكن أن تساعد في استكمال الصورة الكاملة للجريمة.

ويرى محللون أن القضية تجاوزت منذ وقت مبكر إطارها الجنائي، لتتحول إلى قضية رأي عام مرتبطة بطبيعة النفوذ السياسي والعسكري في تعز، حيث أصبحت تمثل نموذجًا للصراع القائم بين مؤسسات الدولة من جهة ومراكز القوى المسلحة والحزبية من جهة أخرى.

كما أن ما كشفه قرار الاتهام بشأن تورط ضباط وقادة عسكريين في الجريمة أو في عرقلة جهود القبض على المتهمين يعزز المخاوف من وجود بيئة حاضنة للفوضى داخل بعض التشكيلات العسكرية، وهو أمر ظل محل انتقادات متكررة من قبل ناشطين وسياسيين ومنظمات حقوقية خلال السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، اعتبر الناشط أحمد الشرعبي أن ما حدث يمثل "تلاعبًا واضحًا بمسار العدالة"، متهمًا جهات نافذة بالتستر على شخصيات رئيسية مرتبطة بالقضية. وقال إن حصر الاتهامات في شخصيات محددة مع استبعاد أسماء أخرى وردت في اعترافات سابقة يثير الشكوك حول مدى استقلالية الإجراءات القضائية، ويعزز الانطباع بوجود محاولات لاحتواء القضية سياسيًا بدلًا من كشف جميع ملابساتها.

وتعكس هذه المواقف حجم الانقسام الذي أحدثته القضية داخل الشارع التعزي، حيث يرى فريق أن قرار الاتهام يمثل خطوة مهمة نحو محاسبة المتورطين وكشف جزء من الحقيقة، بينما يعتقد آخرون أن القضية لا تزال بعيدة عن الوصول إلى جميع المسؤولين عنها، وأن العدالة لن تكتمل ما لم يتم التحقيق في كل الأسماء التي وردت خلال مراحل التحقيق المختلفة.

وتكتسب القضية أهمية إضافية بالنظر إلى المكانة التي كانت تشغلها افتهان المشهري في الإدارة المحلية، حيث عُرفت بإدارتها لصندوق النظافة والتحسين في ظروف معقدة شهدتها المحافظة، ما جعل حادثة اغتيالها صادمة للرأي العام ومثيرة لموجة واسعة من المطالبات بالكشف عن جميع المتورطين وتقديمهم للعدالة.

ومع إحالة الملف إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، تتجه الأنظار إلى المرحلة المقبلة من المحاكمة وما إذا كانت ستشهد ظهور معطيات جديدة أو استدعاء شخصيات أخرى وردت أسماؤها خلال التحقيقات السابقة، أم أن القضية ستظل محصورة في إطار الأسماء التي تضمنها قرار الاتهام.

وفي ظل استمرار الجدل الشعبي والسياسي، تبقى قضية اغتيال افتهان المشهري واحدة من أكثر القضايا حساسية في تعز، ليس فقط لأنها تتعلق بجريمة اغتيال استهدفت مسؤولة حكومية بارزة، بل لأنها تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة مؤسسات الدولة على فرض سيادة القانون ومواجهة نفوذ القوى المسلحة والحزبية، وكشف الحقيقة كاملة دون استثناء أو انتقائية، بما يضمن تحقيق العدالة وإنصاف الضحية وطمأنة الرأي العام بأن القانون يعلو فوق جميع الاعتبارات السياسية والعسكرية.