دبلوماسية الشدائد.. محمد بن زايد يبعث برسائل الخليج من قلب الكويت
السياسية - منذ ساعتان و دقيقة
أبوظبي، نيوزيمن، خاص:
في عالم الدبلوماسية، تحكم الزيارات بين قادة الدول قواعد وبروتوكولات راسخة تحدد طبيعتها وأهدافها، سواء كانت زيارة دولة أو زيارة رسمية أو زيارة عمل أو زيارة خاصة، ولكل منها ترتيباتها ومراسمها التي تعكس مستوى العلاقات بين الدول.
إلا أن الزيارة التي قام بها رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إلى دولة الكويت، بعد ساعات قليلة من تعرضها لهجمات إيرانية، بدت وكأنها تؤسس لنمط مختلف من الدبلوماسية، تتراجع فيه المراسم أمام الرسائل السياسية، وتصبح سرعة الحضور بحد ذاتها عنوانًا للموقف.
ففي توقيت بالغ الحساسية، وبعد نحو سبع ساعات فقط من الهجمات التي استهدفت الكويت، وصل الشيخ محمد بن زايد إلى الكويت في زيارة استغرقت ساعات، لكنها حملت دلالات تتجاوز مدتها الزمنية، إذ عكست وقوف الإمارات إلى جانب الكويت في واحدة من أكثر اللحظات حساسية التي شهدتها المنطقة مع تجدد التصعيد العسكري في الخليج.
دبلوماسية تتجاوز البروتوكول
المشهد الذي جمع الشيخ محمد بن زايد وأمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح في مطار الكويت لم يكن مشهدًا بروتوكوليًا تقليديًا. فقد غابت كثير من المظاهر الرسمية المعتادة، حتى إن الزعيمين استقبلا اللقاء من دون ارتداء "البشت"، وهو ما اعتبره مراقبون رسالة بأن اللحظة تستدعي التضامن أكثر من استعراض المراسم.
وبهذا المعنى، يمكن وصف الزيارة بأنها "زيارة تضامن" أكثر منها زيارة رسمية أو زيارة دولة بالمعنى التقليدي، إذ جاءت لتؤكد أن العلاقات الإماراتية الكويتية ترتكز على الشراكة والمصير المشترك، وأن الوقوف إلى جانب الحلفاء في أوقات الأزمات يمثل أولوية تتقدم على الاعتبارات البروتوكولية.
ويقرأ مراقبون هذه الخطوة باعتبارها نموذجًا لما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية الحضور"، حيث تصبح سرعة الانتقال والوجود الميداني رسالة سياسية قائمة بذاتها، تعكس مستوى الالتزام بين الدول وتختصر كثيرًا من البيانات الرسمية.
اكتسبت الزيارة أهميتها أيضًا من توقيتها، إذ جاءت بالتزامن مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهاء وقف إطلاق النار المؤقت مع إيران وعودة الضربات والهجمات المتبادلة في منطقة الخليج، الأمر الذي رفع مستوى المخاوف الأمنية لدى دول المنطقة.
وفي هذا السياق، حملت الزيارة رسالة مزدوجة؛ الأولى موجهة إلى الداخل الخليجي، مفادها أن أمن دول مجلس التعاون مترابط، وأن أي تهديد لدولة خليجية يمثل مصدر قلق لبقية الدول الأعضاء، والثانية إلى الأطراف الإقليمية بأن مجلس التعاون قادر على إظهار تماسكه السياسي في أوقات التصعيد.
تأكيد على وحدة الصف الخليجي
وخلال الزيارة، استقبل أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، الشيخ محمد بن زايد بحضور ولي العهد الشيخ صباح الخالد، حيث بحث الجانبان العلاقات الثنائية وآفاق تطويرها، إلى جانب آخر المستجدات الإقليمية والدولية.
وأكد البيان الختامي أهمية تعزيز التعاون في مختلف المجالات بما يخدم المصالح المشتركة، كما شدد على دعم البلدين للمبادرات الهادفة إلى ترسيخ السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، مع التأكيد على أهمية تعزيز وحدة الصف الخليجي ودعم مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية بما يحقق تطلعات شعوبه نحو التنمية والاستقرار.
ويرى متابعون أن هذه الرسائل اكتسبت وزنًا إضافيًا لأنها صدرت في ظل ظروف أمنية استثنائية، ما منحها بعدًا عمليًا يتجاوز البيانات السياسية المعتادة.
ويرى رئيس تحرير صحيفة "الراي" الكويتية، وليد الجاسم، أن العلاقات الإماراتية الكويتية تمثل نموذجًا راسخًا للعلاقات الأخوية داخل مجلس التعاون الخليجي، وتقوم على تاريخ طويل من الثقة والتنسيق في مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك.
ويشير إلى أن البلدين نجحا خلال السنوات الأخيرة في بناء شراكات استراتيجية واسعة في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتجارة والتنمية، إلى جانب التنسيق السياسي، بما يعكس حرص القيادتين على تعزيز التكامل الخليجي.
كما يؤكد أن الزيارة تركت أصداء إيجابية واسعة في الكويت، وأسهمت في تعزيز آفاق التعاون الثنائي وفتح المجال أمام مبادرات جديدة ومشروعات مشتركة تدعم التنمية والاستقرار في المنطقة.
من جانبه، يصف الإعلامي الكويتي رشيد الفعم العلاقة بين الإمارات والكويت بأنها علاقة "عزوة وبيت واحد"، تقوم على روابط تاريخية وأخوية راسخة بين القيادتين والشعبين.
ويشير إلى أن البلدين يمتلكان فرصًا واسعة لتعزيز التكامل في المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والثقافية، معتبرًا أن زيارة الشيخ محمد بن زايد تؤكد حرص القيادتين على توسيع الشراكة وتعزيز العمل الخليجي المشترك.
نموذج جديد للدبلوماسية الخليجية
تكشف زيارة الشيخ محمد بن زايد للكويت أن التحولات الأمنية المتسارعة في المنطقة تدفع دول الخليج إلى تبني أدوات سياسية أكثر مرونة وسرعة، تقوم على الحضور المباشر وإظهار الدعم الفوري للحلفاء، بدل الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية التقليدية.
وفي هذا الإطار، تبدو الزيارة وكأنها أرست مفهومًا جديدًا يمكن وصفه بـ"دبلوماسية التضامن"، حيث يصبح الانتقال السريع إلى الدولة المتضررة رسالة سياسية وأمنية بحد ذاته، تؤكد أن العلاقات بين الدول لا تُقاس بالمراسم، بل بالمواقف التي تظهر في أوقات الأزمات.
وبينما تستمر المنطقة في مواجهة تحديات أمنية متزايدة، تعكس هذه الزيارة أن وحدة الموقف الخليجي لم تعد مجرد شعار سياسي، بل ممارسة عملية تتجسد في سرعة التحرك والتنسيق، بما يعزز الثقة بين دول المجلس ويرسل رسائل طمأنة لشعوبها بأن أمنها واستقرارها يمثلان مسؤولية مشتركة تتجاوز الحدود والبروتوكولات.
>
