جرعة سعرية جديدة.. الحوثيون يدفع ملايين اليمنيين نحو الجوع والفقر

الحوثي تحت المجهر - منذ ساعة و 32 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

في وقت تتسع فيه رقعة الجوع وتتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، تواصل ميليشيا الحوثي انتهاج سياسات اقتصادية تثقل كاهل المواطنين في مناطق سيطرتها، عبر فرض جرعات سعرية وجبايات جديدة، في ظل استمرار انقطاع رواتب موظفي الدولة منذ سنوات. 

ويرى اقتصاديون أن هذه السياسات لا تعكس محاولات لمعالجة الأزمة الاقتصادية، بقدر ما تمثل نهجًا يعتمد على تمويل سلطة الأمر الواقع من جيوب المواطنين، بينما تتجه الموارد نحو خدمة أولويات الجماعة ومشروعها المرتبط بالأجندة الإيرانية، في وقت تتفاقم فيه معاناة ملايين الأسر التي باتت تكافح لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها اليومية.

وشهدت الأسواق في صنعاء، موجة ارتفاع جديدة في أسعار السلع الغذائية الأساسية، بعد فرض جرعة سعرية غير معلنة شملت القمح والأرز والسكر والزيوت والمعلبات، إضافة إلى السجائر، وسط غياب أي إعلان رسمي يوضح أسباب الزيادة أو آليات ضبط الأسواق.

وأكد مواطنون أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بصورة مفاجئة، مشيرين إلى أن سعر عبوة الزيت سعة خمسة لترات قفز من خمسة آلاف ريال إلى ستة آلاف ومائتي ريال، بينما طالت الزيادات معظم السلع الأساسية التي تعتمد عليها الأسر في غذائها اليومي.

وقال سعيد النهاري، وهو موظف حكومي متوقف عن استلام راتبه منذ سنوات: "كل أسبوع نفاجأ بارتفاع جديد في الأسعار، بينما الرواتب غائبة منذ سنوات. أصبحنا ندفع مقابل كل شيء؛ الكهرباء والمياه والاتصالات والضرائب والجبايات، حتى الخدمات التي كانت شبه مجانية قبل انقلاب الحوثيين أصبحت عبئًا يلتهم ما تبقى من دخل الأسر."

وأضاف: "لم يعد المواطن يفكر في تحسين حياته، بل في كيفية توفير وجبة واحدة لأطفاله، بينما تتواصل الجبايات دون أي تحسن في الخدمات أو صرف للمرتبات."

وأوضح تجار وأصحاب محال تجارية أن الزيادات جاءت بعد فرض سلطات الجمارك التابعة للحوثيين خمسة آلاف ريال إضافية على كل كرتون أو كيس من السلع المستوردة، تحت مبرر "دعم المرتبات"، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار البيع للمستهلكين.

ويرى تجار أن هذا المبرر لم يعد يقنع أحدًا، في ظل استمرار توقف صرف رواتب الموظفين، مؤكدين أن الجبايات المتكررة تحولت إلى مصدر تمويل دائم للجماعة، بينما يتحمل المواطن وحده كلفة تلك السياسات.

وفي أحد أسواق صنعاء، قالت المواطنة سلوى أحمد إن الأسرة أصبحت عاجزة عن شراء احتياجاتها الأساسية، مضيفة: "كنا نشتري احتياجات الأسبوع كاملة، أما اليوم فنشتري بالكيلو أو بالنصف، وأحيانًا نغادر السوق دون شراء شيء لأن الأسعار تفوق قدرتنا." 

وأضافت: "الجوع بدأ يدخل كل بيت، والبطالة منتشرة، والناس لم تعد تجد عملاً، فيما يستمر الغلاء بلا رحمة."

أما المواطن فارس المعمري فقال إن الأزمة لم تعد مرتبطة بارتفاع الأسعار فقط، بل بانعدام مصادر الدخل، موضحًا: "لا رواتب، ولا فرص عمل، ولا مساعدات كافية، وفي المقابل ترتفع الأسعار والضرائب كل يوم. كثير من الأسر أصبحت تستدين لشراء الدقيق والأرز، وبعضها يكتفي بوجبة واحدة في اليوم."

وتأتي هذه الجرعة الجديدة بعد أيام من فرض جبايات مرتفعة على شحنات الدقيق القادمة عبر منفذ الراهدة بمحافظة تعز، حيث ارتفعت الرسوم الجمركية بنسبة وصلت إلى 400 في المائة، الأمر الذي أثار احتجاجات سائقي الشاحنات وتحذيرات من موجة غلاء جديدة تطال الخبز والمواد الغذائية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات دولية متزايدة من تفاقم الأزمة الإنسانية. فقد أكد برنامج الأغذية العالمي أن السياسات التي تنتهجها جماعة الحوثي، بما فيها فرض الضرائب والجبايات ومصادرة أصول التجار والمستثمرين، أسهمت في إضعاف النشاط الاقتصادي وتقليص فرص العمل، الأمر الذي انعكس مباشرة على مصادر دخل السكان وقدرتهم على شراء الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن نحو 70 في المائة من السكان في مناطق سيطرة الحوثيين أكدوا انخفاض دخولهم الشهرية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية نتيجة القيود المفروضة على القطاع الخاص، وأزمة السيولة، وتراجع النشاط التجاري.

وحذر القائم بأعمال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إندريكا راتواتي من أن اليمن يشهد واحدة من أسوأ أزمات الأمن الغذائي في العالم، مشيرًا إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من الجوع، بينما تواجه ملايين الأسر خيارات قاسية بين شراء الغذاء أو الدواء، أو إبقاء أطفالها في المدارس أو دفعهم إلى سوق العمل.

ويرى مراقبون أن استمرار الحوثيين في فرض المزيد من الجبايات والجرعات السعرية، بالتوازي مع تعطيل صرف الرواتب وإضعاف القطاع الخاص، يكرس حالة الانهيار الاقتصادي ويدفع المجتمع نحو مزيد من الفقر والجوع، في وقت تنشغل فيه الجماعة بتصعيدها العسكري وتنفيذ أجندتها الإقليمية، بينما يدفع المواطن اليمني الثمن الأكبر وسط أزمة معيشية تتفاقم يومًا بعد آخر.