ملايين الدولارات ضاعت في المحسوبية.. تقرير يكشف الوجه الخفي لفساد الابتعاث
السياسية - منذ ساعة و 14 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
فجّر تقرير لجنة مراجعة قوائم المبتعثين في الخارج وآليات الابتعاث، الذي جرى تداوله على نطاق واسع، واحدة من أكبر قضايا الفساد في ملف المنح الدراسية الحكومية، بعدما كشف عن منظومة متكاملة من المحسوبية والوساطات والتزوير واستغلال النفوذ، حوّلت الابتعاث الخارجي من استحقاق أكاديمي قائم على الكفاءة إلى امتيازات حصرية لأبناء مسؤولين ونافذين، في وقت حُرم فيه آلاف الطلاب المتفوقين من فرصهم التعليمية.
ويكشف التقرير، الصادر عن اللجنة الأكاديمية المشكلة بقرار من رئاسة الوزراء في فبراير 2023، حجم الاختلالات التي رافقت إدارة ملف الابتعاث منذ انتقال وزارة التعليم العالي إلى العاصمة المؤقتة عدن عام 2016، مؤكداً أن القانون المنظم للبعثات الدراسية جرى تعطيله بصورة شبه كاملة، لتحل محله التوجيهات الشخصية والوساطات والعلاقات السياسية والعائلية.
ومن أبرز ما كشفه التقرير أن 13 عائلة فقط حصلت على 131 منحة دراسية، فيما وصلت حصة بعض الأسر إلى 16 منحة، في وقت لم تحصل فيه بعض الجامعات الحكومية سوى على مبتعث واحد فقط، في مؤشر وصفته اللجنة بأنه ينسف مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.
وأوضح التقرير أن نحو 284 عائلة سيطرت على نسبة كبيرة من المنح الخارجية، بينما بلغت حالات الأشقاء المبتعثين 508 حالات، تراوح عدد الإخوة فيها بين اثنين وخمسة أشقاء للأسرة الواحدة، توزعوا بين مصر وتركيا والسودان وروسيا ودول أخرى.
ورصدت اللجنة محاولات متعمدة لإخفاء صلات القرابة عبر تغيير الاسم الرابع أو حذف لقب العائلة، بهدف تجاوز الرقابة وإخفاء حجم الاستحواذ العائلي على المنح.
تعطيل القانون
وأكد التقرير أن أبرز أسباب الانهيار في منظومة الابتعاث تمثل في تعطيل اللجنة العليا للبعثات والمنح الدراسية واللجان التنفيذية المنصوص عليها قانوناً، واستبدالها بآليات غير رسمية تعتمد على التوجيهات الشخصية.
وأشار إلى أن قرارات الابتعاث والمساعدات المالية صدرت خلال سنوات عبر توجيهات من مسؤولين في الرئاسة والحكومة ومحافظين وبرلمانيين وشخصيات نافذة، بعيداً عن أي منافسة أو معايير أكاديمية واضحة، الأمر الذي فتح الباب أمام المحسوبية والرشوة والتدخلات السياسية.
ولم تقتصر المخالفات على المحاباة، إذ كشف التقرير عن عشرات الحالات التي حصل فيها طلاب على منح رغم عدم استيفائهم الشروط القانونية، بل إن بعض الملفات كانت تخلو من شهادة الثانوية العامة أو الوثائق الأساسية، واعتمدت الوزارة في بعضها على صور مرسلة عبر تطبيق "واتساب".
كما وثق التقرير وقائع تزوير خطيرة، بينها توجيهات منسوبة إلى مسؤولين كبار، وأكثر من 80 توقيعاً مزوراً في ملفات الابتعاث، وهي القضية التي انتهت بإدانة أحد موظفي قطاع البعثات أمام محكمة الأموال العامة بعد ثبوت تمرير ملفات مقابل مبالغ مالية.
وبيّن التقرير أن حجم الإنفاق على ملف المنح الخارجية يقدر بنحو أربعة ملايين دولار سنوياً، إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال لم يوجّه لخدمة الطلاب المتفوقين، بل استنزف في منح أُقرت بالمخالفة للقانون.
وكشف التقرير عن إضافة 1565 حالة ابتعاث خلال عام واحد فقط، بكلفة تجاوزت 2.9 مليون دولار في ربع سنوي واحد، بينما بلغت تكلفة الإضافات في الربع الثالث وحده أكثر من 4.3 ملايين دولار سنوياً، في ظل غياب أي ضوابط أو معايير واضحة.
ابتعاث عبثي
وانتقد التقرير استمرار ابتعاث مئات الطلاب لدراسة تخصصات إنسانية متوفرة في الجامعات اليمنية، رغم أن القانون يشترط قصر الابتعاث على التخصصات النادرة.
كما سجل مخالفات في ابتعاث طلاب لدراسة اللغة العربية في دول آسيوية، واللغة الإنجليزية في دول لا تعد وجهة أكاديمية لهذا التخصص، إضافة إلى ابتعاث أشخاص عبر وزارة الدفاع لدراسة تخصصات مدنية لا تمت بصلة للمجال العسكري.
وأظهرت نتائج المراجعة استمرار صرف المساعدات المالية لمبتعثين منذ أعوام 2010 و2011 و2012، رغم تجاوزهم المدة القانونية للدراسة بسنوات طويلة، مع منح تمديدات متكررة اعتبرتها اللجنة مخالفة للقانون وخاضعة للوساطات والمجاملات.
كما أشار التقرير إلى غياب قاعدة بيانات إلكترونية موحدة، ما تسبب في تكرار أسماء بعض المبتعثين وازدواجية الصرف وصعوبة الرقابة على الأموال العامة.
وفي تعليق على التقرير، قال الكاتب سمير سعيد فارع إن الوثائق كشفت وجهاً آخر من الفساد يتمثل في النزيف المستمر للعملة الصعبة والعشوائية والتزوير، موضحاً أن الدولة تدفع آلاف الدولارات سنوياً عن كل مبتعث، بينما تذهب نسبة كبيرة من هذه الأموال إلى مستفيدين لا يستحقونها.
وأشار إلى أن التقرير وثق ابتعاث طلاب بمعدلات متدنية لدراسة تخصصات حساسة كالطب والهندسة عبر الوساطات، إلى جانب تمرير ملفات تفتقر للوثائق الأساسية، وكشف قضايا تزوير لتوجيهات رسمية وانتحال عشرات التوقيعات، فضلاً عن منح وزارة الدفاع بعثات لأشخاص لا ينتمون للمؤسسة العسكرية أصلاً.
وأضاف أن استمرار صرف المساعدات لطلاب متعثرين منذ أكثر من عقد، إلى جانب استحواذ أبناء مسؤولين ودبلوماسيين على منح التبادل الثقافي، يؤكد أن الابتعاث تحول إلى شبكة مغلقة للمحسوبية، بعيداً عن الكفاءة والاستحقاق.
احتكار للمستقبل
من جهتها، اعتبرت الناشطة الحقوقية نورا الجروي أن التقرير يكشف جانباً واسعاً من الفساد الذي رافق إدارة ملف الابتعاث خلال السنوات الماضية، مؤكدة أن البيانات الواردة فيه تظهر سيطرة مئات العائلات النافذة على المنح الدراسية، بينما جرى إقصاء الطلاب المستحقين.
وأشارت إلى أن أكثر من 500 حالة أشقاء حصلوا على منح خارجية، وأن بعض العائلات استحوذت على مقاعد تفوق ما حصلت عليه جامعات حكومية بأكملها، لافتة إلى أن كثيراً من المستفيدين هم أبناء مسؤولين وسفراء وشخصيات نافذة.
وأضافت أن أخطر ما كشفه التقرير هو تحول المنح إلى ما يشبه "الملكية العائلية"، حيث جرى في بعض الحالات استبدال الأخ بأخيه المنقطع عن الدراسة، وكأن المقاعد الدراسية أصبحت إرثاً خاصاً لا حقاً عاماً لجميع اليمنيين.
ووصف الناشط مصطفى ناجي الجبزي ما ورد في التقرير بأنه "محبط ومقرف"، مؤكداً أن الأرقام تكشف فساداً ممنهجاً في توزيع المنح الخارجية.
وأشار إلى أن استحواذ عدد محدود من العائلات على أكثر من مئة منحة، ومنح مقاعد دراسية دون وثائق أو شهادات ثانوية، يكشف حجم الانهيار في منظومة الابتعاث، منتقداً كذلك تخصيص منح في تخصصات لا تخدم احتياجات الدولة، ولا سيما تلك التي منحت عبر وزارة الدفاع.
خيانة وطنية
أما الكاتب والمحلل عبدالسلام محمد، فدعا إلى تشكيل لجنة تحقيق جديدة تتولى مراجعة جميع ملفات الابتعاث، وليس الاكتفاء بالكشوفات السابقة، معتبراً أن التقرير يغطي فترة محددة، بينما استمرت التجاوزات خلال السنوات اللاحقة.
وأكد أن بعض الأسر أخفت أسماءها الحقيقية للاستحواذ على مزيد من المنح، فيما استبعد أبناء القبائل في مناطق سيطرة الحوثيين لصالح أبناء قيادات نافذة وشخصيات مرتبطة بالجماعة.
ووصف ما جرى بأنه "خيانة وطنية" لا تتحمل مسؤوليتها وزارة التعليم العالي وحدها، بل تمتد إلى قيادات عليا وجهت بتمرير منح خارج الأطر القانونية، مطالباً بإحالة جميع المتورطين إلى القضاء واسترداد المال العام.
من جانبه، رأى الكاتب الصحفي ماجد الداعري أن استمرار فضائح المنح يؤكد فشل منظومة الابتعاث الحكومية بالكامل، داعياً إلى إلغاء الابتعاث على نفقة الدولة وتوجيه ملايين الدولارات إلى تطوير الجامعات اليمنية ورفع مستوى التعليم المحلي.
كما طالب بمحاسبة جميع المسؤولين المتورطين في العبث بملف المنح خلال السنوات الماضية، معتبراً أن استمرار النظام الحالي لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الفساد وحرمان الأجيال الجديدة من فرصها التعليمية.
واختتم التقرير بجملة من التوصيات، أبرزها إعادة تفعيل اللجان القانونية المختصة بالابتعاث، وإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية موحدة، وإلغاء العمل بالتوجيهات الشخصية، وربط المنح بمعايير معلنة تقوم على الكفاءة والاستحقاق، إضافة إلى مراجعة أوضاع جميع المبتعثين وفق القانون.
ويرى مراقبون أن ما كشفه التقرير لا يمثل مجرد تجاوزات إدارية، بل يعكس منظومة فساد متجذرة امتدت لسنوات، حوّلت أحد أهم ملفات بناء الكفاءات الوطنية إلى بوابة للمحسوبية واستغلال النفوذ، في وقت كانت البلاد بأمسّ الحاجة إلى الاستثمار في العقول والكفاءات القادرة على المساهمة في إعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة.
>
