تحليل: باب المندب يتحول إلى "برميل بارود" وواشنطن ترفع الجاهزية
السياسية - منذ ساعة و 7 دقائق
عدن، نيوزيمن، خاص:
حذر تقرير تحليلي نشرته صحيفة «La Sicilia» الإيطالية من أن البحر الأحمر لم يعد مجرد مسرح لهجمات متفرقة تنفذها ميليشيا الحوثي، بل أصبح جبهة استراتيجية مفتوحة تهدد أمن الطاقة العالمي، بعد أن تحول مضيق باب المندب إلى ما وصفته بـ"برميل بارود" ينذر بانفجار إقليمي واسع، في ظل تصاعد الهجمات الحوثية على السفن التجارية وناقلات النفط، وتزايد احتمالات المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وقالت الصحيفة، إن الهجوم الذي استهدف ناقلتي نفط سعوديتين في باب المندب خلال يومي 23 و24 يوليو لم يكن حادثًا بحريًا عابرًا، وإنما يمثل نقطة تحول في طبيعة الصراع، بعدما انتقلت التهديدات من مضيق هرمز إلى باب المندب، لتصبح أهم الممرات البحرية في الشرق الأوسط عرضة للخطر في الوقت نفسه.
وأضاف التقرير أن أهمية هذه الهجمات لا تكمن فقط في طبيعة الأهداف التي تعرضت لها، وإنما في الرسالة الاستراتيجية التي حملتها، إذ استهدفت ميليشيا الحوثي ناقلات مرتبطة بالسعودية، في وقت تعمل فيه الرياض على زيادة الاعتماد على موانئ البحر الأحمر لتقليل المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، وهو ما يعني – بحسب الصحيفة – أن الجماعة تحاول تقويض البدائل الاستراتيجية التي تعتمد عليها المملكة في تصدير النفط.
وأكدت الصحيفة أن إعلان الحوثيين فرض حظر على الملاحة المرتبطة بالسعودية لم يعد مجرد تهديد إعلامي أو ورقة ضغط سياسية، بعدما تحول إلى عمليات ميدانية استهدفت ناقلات نفط وسفنًا تجارية، الأمر الذي نقل الأزمة إلى مستوى جديد تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية في آن واحد.
وأوضحت أن ردود فعل الأسواق العالمية عكست حجم القلق من هذا التصعيد، إذ قفز سعر خام برنت إلى أكثر من 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ أشهر، بينما شهدت أسواق المال تراجعًا ملحوظًا، نتيجة المخاوف من اتساع رقعة الاضطرابات في طرق إمدادات الطاقة العالمية.
وأشار التقرير إلى أن الأسواق لا تتفاعل مع الأضرار المباشرة التي تلحق بالسفن بقدر ما تتفاعل مع احتمالات استمرار الهجمات واتساعها، موضحًا أن وجود تهديد متزامن لمضيقي هرمز وباب المندب يضاعف من المخاطر على الاقتصاد العالمي، ويزيد من احتمالات اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
ولفتت الصحيفة إلى أن باب المندب يمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويعد البوابة الجنوبية لقناة السويس، بينما تمر عبره ملايين براميل النفط يوميًا، إضافة إلى نحو 12% من حجم التجارة العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية.
وأضاف التقرير أن استمرار الهجمات الحوثية أجبر عددًا من شركات الشحن العالمية على إعادة تقييم مساراتها، حيث فضلت بعض السفن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، رغم ما يترتب على ذلك من زيادة كبيرة في زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين، وهو ما ينذر بموجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات عالميًا.
ورأت الصحيفة أن الحوثيين لم يعودوا يكتفون باستخدام البحر الأحمر كورقة ضغط على السعودية، بل باتوا، من خلال الدعم الإيراني، يشكلون أداة لفرض معادلات جديدة في المنطقة، تقوم على تهديد الممرات البحرية واستخدامها وسيلة للتأثير على الاقتصاد العالمي والضغط على القوى الدولية.
وفي الجانب السياسي، اعتبرت الصحيفة أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي توعد فيها الحوثيين وإيران بعقوبات وإجراءات عسكرية قاسية، تعكس انتقال واشنطن من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الردع المباشر، خاصة مع تزايد الحديث داخل الأوساط الأمريكية عن خيارات لتوسيع العمليات العسكرية ضد إيران إذا استمرت الهجمات على الملاحة الدولية.
وأشارت إلى أن إعلان ترامب إمكانية استخدام الأصول الإيرانية المجمدة لتعويض أي أضرار تلحق بالسفن التجارية يحمل رسائل سياسية موجهة إلى طهران وحلفائها، ويعكس تصعيدًا في أدوات الضغط الأمريكية، حتى وإن ظلت آليات تنفيذ هذه الخطوة محل جدل قانوني ودبلوماسي.
وأكد التقرير أن إيران ما تزال تعتمد على الحوثيين كأداة لتنفيذ سياسة "الحروب بالوكالة"، بما يمنحها هامشًا للضغط على خصومها دون الانخراط المباشر في المواجهة، إلا أن استمرار الهجمات في باب المندب يجعل من الصعب الفصل بين قرارات الجماعة والدور الإيراني، الأمر الذي قد يوسع دائرة الردود الدولية ضد طهران.
وحذرت الصحيفة من أن أخطر ما يميز المرحلة الحالية هو أن التوتر لم يعد محصورًا في الخليج، بل امتد إلى البحر الأحمر، وهو ما يضع اثنين من أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة والتجارة العالمية تحت التهديد في وقت واحد، ويزيد من احتمالات اندلاع صراع إقليمي واسع ستكون له تداعيات اقتصادية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
وأضافت أن أوروبا ستكون من أكثر الأطراف تأثرًا بهذا التصعيد، لاعتمادها الكبير على طريق البحر الأحمر وقناة السويس في حركة التجارة، حيث إن أي تعطيل طويل الأمد للملاحة سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، ويؤثر على سلاسل الإمداد، ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات الأوروبية.
وخلصت الصحيفة إلى أن الأزمة تجاوزت كونها سلسلة هجمات على سفن تجارية، لتصبح مؤشرًا على تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع دولية مفتوحة، تستخدم فيها إيران الحوثيين لفرض ضغوط استراتيجية على خصومها، في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة أكثر استعدادًا لتوسيع نطاق المواجهة لحماية حرية الملاحة وأمن الطاقة العالمي، ما يجعل باب المندب أحد أخطر بؤر التوتر في العالم خلال المرحلة الحالية.
>
