تحليل: غياب الحسم داخل طهران يعمّق أزمة التفاوض مع واشنطن
السياسية - منذ ساعة و 56 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:
تبدو إيران اليوم أمام واحدة من أكثر مراحلها السياسية تعقيداً منذ سنوات، ليس فقط بسبب الضغوط الخارجية المتزايدة، بل أيضاً بفعل الانقسامات العميقة داخل بنية النظام نفسه. فالحرب الأخيرة، والعقوبات الاقتصادية، وتعثر المفاوضات مع واشنطن، كشفت جميعها عن صراع مكتوم بين أجنحة السلطة في طهران، وسط تساؤلات متصاعدة حول الجهة القادرة على إدارة المرحلة المقبلة داخل الجمهورية الإسلامية.
ومع تراجع الدور الحاسم للمرشد الإيراني علي خامنئي في ضبط توازنات القوى الداخلية، بدأت الخلافات بين التيارات السياسية والأمنية تظهر بشكل أكثر وضوحاً، خصوصاً بين معسكر يدفع نحو تسوية سياسية مع الغرب لتخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية، وآخر يتمسك بخيار المواجهة ويرفض أي تنازلات قد تُفسَّر كإضعاف للنظام.
وفي هذا السياق، برزت تحليلات أميركية تتحدث عن إمكانية استثمار واشنطن لهذه الانقسامات لإعادة تشكيل موازين القوى داخل إيران، عبر دعم شخصيات توصف بأنها أكثر براغماتية، مثل رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في مواجهة التيار المتشدد المرتبط بالحرس الثوري والمؤسسات الأمنية.
ويعكس هذا الطرح تحوّلاً لافتاً في طريقة مقاربة بعض دوائر التفكير الأميركية للملف الإيراني، من سياسة الضغط الخارجي المباشر إلى محاولة التأثير على التوازنات الداخلية للنظام نفسه، في ظل قناعة متزايدة بأن مستقبل الأزمة قد يُحسم من داخل طهران بقدر ما يُرسم عبر الضغوط الدولية والإقليمية.
وسلّط تحليل نشره منتدى الشرق الأوسط الضوء على التحولات المتسارعة داخل مراكز السلطة الإيرانية، متسائلاً عمّا إذا كانت الولايات المتحدة تتجه نحو استثمار الانقسامات الداخلية داخل النظام الإيراني لدعم تيار أكثر ميلاً للتفاوض، يقوده رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في مواجهة الجناح المتشدد المرتبط بالحرس الثوري والمؤسسات الأمنية.
التحليل الذي أعده الباحث شاي خاطري، اعتبر أن الجمهورية الإسلامية تمر بمرحلة غير مسبوقة من الارتباك السياسي، نتيجة غياب مركز قرار حاسم قادر على إدارة الخلافات الداخلية كما كان يفعل المرشد الإيراني علي خامنئي خلال السنوات الماضية.
ويرى التحليل أن الحرب الأخيرة والتصعيد المستمر مع الولايات المتحدة وإسرائيل كشفا حجم الانقسام داخل النظام، خصوصاً بشأن كيفية التعامل مع الضغوط العسكرية والاقتصادية، ومستقبل العلاقة مع واشنطن، وما إذا كان ينبغي الذهاب نحو تسوية سياسية أو مواصلة سياسة المواجهة.
وأشار التقرير إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قدّم مطالب متباينة لطهران خلال الفترة الماضية، تراوحت بين الدعوة إلى “استسلام غير مشروط” وبين التفاوض على اتفاق جديد يقيّد البرنامج النووي الإيراني ويضمن أمن الملاحة في مضيق هرمز.
لكن طهران، بحسب التحليل، لم تستجب لأي من هذه الطروحات، نتيجة الانقسام الحاد داخل مؤسسات النظام، حيث باتت عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيداً في ظل تضارب مواقف القوى المتنفذة.
ويستعيد الباحث تجربة المفاوضات النووية التي سبقت اتفاق عام 2015، موضحاً أن الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف كانا يميلان إلى الدبلوماسية، بينما فضّلت أطراف أخرى نهج المواجهة، غير أن خامنئي حينها حسم الخلاف لصالح التفاوض، ما سمح بإبرام الاتفاق النووي.
أما اليوم، فيرى التحليل أن المشهد مختلف، إذ لم يعد هناك طرف قادر على فرض قرار نهائي داخل النظام، ما أدى إلى حالة شلل سياسي واضحة، انعكست على المفاوضات وعلى إدارة الحرب والملفات الإقليمية.
ووفقاً للتحليل، يتشكل داخل النظام الإيراني معسكران رئيسيان؛ الأول يقوده قاليباف والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان ويدفع نحو التوصل إلى اتفاق يخفف الضغوط الاقتصادية والعسكرية، بينما يقود المعسكر الثاني شخصيات أمنية وعسكرية متشددة ترى أن أي تنازل سيُضعف النظام ويهدد بقاءه.
ويضم هذا التيار المتشدد، بحسب التقرير، شخصيات مثل أحمد وحيدي ومحمد باقر ذو القدر، إضافة إلى المفاوض النووي السابق سعيد جليلي، الذي يتمتع بدعم داخل الأوساط العقائدية والمحافظة في النظام.
وأشار التحليل إلى أن الخلافات بين التيارين لم تعد تُدار خلف الكواليس فقط، بل بدأت تظهر بشكل علني عبر وسائل إعلام مقربة من التيار المحافظ، حيث تبادلت منصات مثل “تسنيم نيوز” و“رجاء نيوز” الانتقادات والاتهامات بشأن جدوى التسوية مع واشنطن.
كما تحدث التقرير عن شخصيات أخرى مؤثرة لا تزال مواقفها غير واضحة، مثل رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجائي، ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام صادق لاريجاني، في ظل ترقب داخلي لموقف هذه المؤسسات من أي تسوية محتملة.
وفي قراءة لشخصية قاليباف، وصفه الباحث بأنه سياسي “براغماتي” يضع السلطة والمصالح فوق الاعتبارات الأيديولوجية، معتبراً أن هذا النهج قد يدفعه إلى تقديم تنازلات إذا رأى أن ذلك سيضمن بقاءه السياسي وتعزيز نفوذه داخل النظام.
لكن التحليل يشير في الوقت ذاته إلى أن قاليباف يفتقر إلى أدوات الحسم، في ظل تعقيدات العلاقة مع نجل المرشد، مجتبى خامنئي، والنفوذ الواسع للحرس الثوري، الذي لا يزال يمتلك الكلمة الأقوى في الملفات الأمنية والعسكرية.
وذهب الباحث إلى طرح سيناريو مثير للجدل يتمثل في أن تتدخل الولايات المتحدة بشكل غير مباشر لترجيح كفة التيار المؤيد للتفاوض داخل النظام الإيراني، عبر استهداف الشخصيات التي تعرقل أي اتفاق، بدلاً من الاكتفاء بضرب المنشآت العسكرية أو الاستراتيجية.
ووصف هذا السيناريو بأنه أشبه بقيام واشنطن بدور “المرشد الأعلى الجديد”، من خلال إعادة رسم موازين القوى داخل الجمهورية الإسلامية عبر الضغط العسكري والسياسي.
ويرى التحليل أن هذه المقاربة تكتسب زخماً داخل بعض دوائر التفكير الأميركية، خصوصاً في ظل تراجع فعالية العقوبات وحدها، واستنزاف المخزون العسكري الأميركي نتيجة العمليات المستمرة، إضافة إلى الضغوط السياسية الداخلية التي تواجه إدارة ترامب مع ارتفاع تكاليف الحرب.
كما أشار إلى أن الإدارة الأميركية تدرك أن استمرار الحصار والتصعيد دون تغيير داخلي في بنية السلطة الإيرانية قد يطيل أمد الأزمة، لذلك يجري التفكير في خيارات تعتمد على استثمار الانقسامات داخل النظام نفسه.
وفي المقابل، يحذر مراقبون من أن أي محاولة خارجية للتأثير المباشر في توازنات السلطة الإيرانية قد تدفع نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار، خصوصاً في ظل حساسية المشهد الداخلي الإيراني وتعقيد شبكة الولاءات داخل الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية.
ويخلص التحليل إلى أن إيران باتت تقف أمام مرحلة مفصلية، تتقاطع فيها الصراعات الداخلية مع الضغوط الخارجية، بينما تتحول الانقسامات داخل النظام إلى أحد أبرز عناصر الصراع الإقليمي والدولي حول مستقبل الجمهورية الإسلامية.
>
