تعز.. حي سيلة الدعوة يستعيد الحياة بعد سنوات من الخوف
السياسية - منذ ساعة و 38 دقيقة
تعز، نيوزيمن:
في حي سيلة الدعوة بمديرية صالة شرق محافظة تعز، لم تعد الأزقة الضيقة مجرد ممرات بين المنازل، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى مساحات يختبئ فيها الموت بصمت تحت الركام وبين الجدران المتصدعة. فالألغام والعبوات الناسفة ومخلفات الحرب الحوثية التي انتشرت في الحي منذ سنوات، دفعت عشرات الأسر إلى مغادرة منازلها، وحوّلت منطقة سكنية مكتظة بالحياة إلى حي شبه مهجور تسكنه المخاوف والذكريات الثقيلة.
لكن المشهد بدأ يتغير تدريجياً، مع استمرار فرق مشروع مسام لنزع الألغام في تنفيذ عمليات تطهير واسعة داخل الحي، ضمن جهود إنسانية تهدف إلى إزالة مخلفات الحرب وتأمين عودة السكان إلى منازلهم بعد سنوات طويلة من النزوح القسري.
ووفق تقرير نشره المشروع بعنوان “بين الألغام والعودة.. قصة أمل في سيلة الدعوة”، فإن مهمة الفرق الهندسية لا تقتصر على إزالة الألغام فحسب، بل تمتد إلى إعادة الشعور بالأمان وإحياء الثقة لدى السكان الذين عاشوا لسنوات تحت تهديد دائم.
ويصف سكان الحي السنوات الماضية بأنها من أصعب الفترات التي مرت عليهم، حيث فرضت الألغام واقعاً قاسياً جعل مجرد السير في بعض الشوارع أو الاقتراب من المنازل مخاطرة قد تنتهي بالموت أو الإصابة الدائمة.
وقال عاقل الحارة عبدالله محسن الشراعي إن حي سيلة الدعوة عاش منذ عام 2019 تحت تهديد مباشر بسبب الانتشار الواسع للألغام والعبوات الناسفة داخل الأحياء السكنية، وحتى بالقرب من خزانات المياه والمرافق الخدمية، ما تسبب في حالة خوف مستمرة بين السكان.
وأوضح أن المنطقة شهدت سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وكبار سن، إضافة إلى إصابات خطيرة وحالات بتر وتشوهات دائمة، أثناء محاولات الأهالي العودة إلى منازلهم أو تفقد ممتلكاتهم بعد فترات النزوح. وأشار الشراعي إلى أن كثيراً من الأسر اضطرت إلى ترك منازلها لفترات طويلة، بينما فضّل آخرون البقاء رغم المخاطر بسبب ظروفهم المعيشية الصعبة وعدم قدرتهم على النزوح إلى أماكن أخرى.
وأكد أن وصول فرق "مسام" شكّل بارقة أمل حقيقية للسكان، حيث بدأت ملامح الحياة تعود تدريجياً مع استمرار أعمال التطهير، وبدأ الأهالي يشعرون للمرة الأولى منذ سنوات بإمكانية العودة الآمنة إلى منازلهم. وأضاف أن الأطفال كانوا الأكثر تأثراً بمخلفات الحرب، إذ عاشوا سنوات من الخوف والحرمان من اللعب والحركة الطبيعية داخل الحي، بسبب انتشار الأجسام المتفجرة في الشوارع والأماكن المفتوحة.
من جهته، أوضح قائد الفريق 33 في المشروع، المهندس علاء عبده دهمش، أن الفرق الهندسية باشرت عملها في حي سيلة الدعوة في الأول من ديسمبر 2025، عقب مناشدات متكررة أطلقها الأهالي وعاقل الحارة بسبب تعذر عودة السكان نتيجة التلوث الواسع بالألغام والعبوات الناسفة.
وقال دهمش إن الفرق تمكنت منذ بدء المهمة من تطهير أكثر من ثلاثة آلاف متر مربع داخل الحي، والعثور على أكثر من 45 قذيفة غير منفجرة، وعبوتين ناسفتين، وثمانية ألغام مضادة للأفراد، إلى جانب قنبلتين يدويتين، في مؤشر يعكس حجم الخطر الذي كان يهدد السكان.
وأضاف أن الفرق الهندسية نجحت حتى الآن في تأمين نحو نصف الحي، فيما لا تزال مناطق أخرى بحاجة إلى استكمال أعمال المسح والتطهير، لضمان عودة كاملة وآمنة للأهالي. وأشار إلى أن عمليات التطهير في المناطق السكنية تُعد من أكثر المهام تعقيداً، بسبب قرب الألغام من المنازل والمرافق العامة، ما يتطلب إجراءات دقيقة لتفادي أي انفجارات أو أضرار إضافية.
وفي شهادة تعكس حجم المعاناة الإنسانية، وصف المواطن خالد أبو العزيز الزريقي السنوات الماضية بأنها “سنوات من الخوف والموت”، مؤكداً أن الألغام تسببت في تدمير عدد من المنازل وإلحاق أضرار واسعة بالبنية السكنية.
وقال إن الحوادث المرتبطة بالألغام لم تقتصر على الخسائر المادية، بل امتدت إلى فقدان أرواح مدنيين وأطفال وإصابة آخرين بإعاقات وتشوهات دائمة، ما ترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة داخل المجتمع المحلي. وأكد الزريقي أن السكان بدأوا يشعرون بعودة الحياة تدريجياً مع استمرار جهود فرق "مسام"، معرباً عن أمله في استكمال تطهير المنطقة بالكامل حتى يتمكن جميع الأهالي من العودة إلى منازلهم واستئناف حياتهم الطبيعية.
وتسلط قصة حي سيلة الدعوة الضوء على حجم التحديات الإنسانية التي ما تزال تواجه اليمن، حيث تشكل الألغام ومخلفات الحرب أحد أخطر التهديدات التي تعيق عودة المدنيين إلى مناطقهم، وتؤثر على حياة آلاف الأسر في مختلف المحافظات.
ويواصل مشروع "مسام" تنفيذ عمليات نزع الألغام في عدد من المناطق اليمنية، ضمن جهود تهدف إلى حماية المدنيين وتأمين الطرق والمزارع والمناطق السكنية، في وقت تؤكد فيه تقارير محلية ودولية أن اليمن لا يزال من أكثر الدول تلوثاً بالألغام والذخائر غير المنفجرة نتيجة سنوات الحرب الطويلة.
>
