معركة جبل دباس.. الحوثيون يتلقون درسًا قاسيًا على أبواب حيس

السياسية - Monday 06 July 2026 الساعة 10:26 pm
الحديدة، نيوزيمن، خاص:

لم تكن معركة جبل دباس الأخيرة في مديرية حيس جنوبي محافظة الحديدة مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل شكلت اختبارًا جديدًا لقدرة مليشيا الحوثي على تغيير موازين القوى في الساحل الغربي، بعد أشهر من التصعيد ومحاولات استغلال الهدوء النسبي على الجبهات. 

إلا أن نتائج المعركة جاءت معاكسة لحسابات الجماعة، بعدما تحولت العملية الهجومية إلى واحدة من أكثر هجماتها كلفة خلال الفترة الأخيرة، مخلفة عشرات القتلى، ومؤكدة أن جبهة حيس لا تزال تمثل إحدى أكثر الجبهات استنزافًا للمليشيات، وأن السيطرة على المرتفعات الاستراتيجية المحيطة بها ما زالت بعيدة المنال.

وشهدت جبهة جبل دباس معارك عنيفة عقب هجوم واسع شنته مليشيا الحوثي على مواقع قوات الزرانيق التابعة للمقاومة الوطنية، في محاولة للتقدم وفرض سيطرة نارية على مديرية حيس، قبل أن تتمكن القوات المدافعة من احتواء الهجوم وإجبار المهاجمين على التراجع بعد تكبيدهم أكثر من 50 قتيلًا، فيما أصيب العشرات جرى نقلهم إلى مستشفيات الجراحي وزبيد.

وأكدت المقاومة الوطنية أن جبهة الساحل الغربي ما تزال هدفًا رئيسيًا للهجمات الحوثية، مشيرة إلى أن الاعتداءات المتكررة على مواقع زرانيق تهامة ليست تحركات عشوائية، وإنما تعكس إدراك المليشيات للأهمية العسكرية التي تمثلها تلك المواقع، باعتبارها خط الدفاع الأول الذي يحول دون أي تقدم باتجاه مديرية حيس وسواحل البحر الأحمر.

وأشادت المقاومة بصمود مقاتلي تهامة، مؤكدة أن ما تحقق في جبل دباس يعكس جاهزية القوات المرابطة على امتداد الجبهة، وأن تضحيات المقاتلين تمثل حجر الأساس في حماية المناطق المحررة ومنع المليشيات من فرض واقع عسكري جديد في الساحل الغربي.

جبل استراتيجي يتحكم بمفاتيح حيس

ويعد جبل دباس من أبرز المواقع العسكرية في جنوب الحديدة، إذ يشرف على مديرية حيس ومديرية الجراحي، كما يمنح من يسيطر عليه قدرة على مراقبة الطرق الرابطة بين الحديدة وتعز، ويطل كذلك على أجزاء واسعة من سواحل الخوخة والبحر الأحمر، الأمر الذي يفسر إصرار الحوثيين على شن هجمات متكررة للسيطرة عليه.

وتكتسب مديرية حيس أهمية استثنائية باعتبارها نقطة وصل بين ثلاث محافظات هي الحديدة وتعز وإب، فضلاً عن موقعها القريب من الساحل الغربي، حيث تبعد نحو 28 كيلومترًا عن البحر الأحمر، وهو ما جعلها على مدى قرون محطة رئيسية للقوافل التجارية القادمة من ميناء المخا التاريخي إلى المدن اليمنية الداخلية.

كما تضم المديرية مواقع تاريخية تعود إلى آلاف السنين، الأمر الذي يضيف إلى أهميتها العسكرية بعدًا حضاريًا وجغرافيًا، ويجعلها واحدة من أبرز المناطق التي تسعى المليشيات إلى استعادتها منذ تحريرها.

ومنذ تحرير مدينة حيس في فبراير 2018 على يد القوات المشتركة، المكونة من المقاومة الوطنية وألوية العمالقة والمقاومة التهامية، لم تتوقف مليشيا الحوثي عن محاولة استعادة المدينة، مستفيدة من تمركزها آنذاك في المرتفعات المطلة عليها، حيث فرضت عبرها حصارًا واستهدفت الأحياء السكنية والمواقع العسكرية بالقصف والقنص لسنوات.

وفي نوفمبر 2021 أطلقت القوات المشتركة عملية عسكرية واسعة نجحت خلالها في تأمين مديرية حيس بالكامل، والتقدم باتجاه مديريات جبل رأس والجراحي ومقبنة، الأمر الذي حدّ من قدرة الحوثيين على تهديد المدينة بصورة مباشرة.

ورغم دخول الهدنة الأممية حيز التنفيذ في عام 2022، بقيت جبهات حيس، وخاصة محيط جبل رأس وجبل دباس، من أكثر الجبهات اشتعالًا، حيث استمرت فيها عمليات الكر والفر والهجمات المحدودة التي ظلت بعيدة عن التغطية الإعلامية، لكنها استنزفت قدرات المليشيات بصورة مستمرة.

تصعيد بعد اغتيال قائد في المقاومة

وجاء الهجوم الحوثي الأخير بعد نحو شهر من اغتيال قائد الفرقة الأولى في المقاومة الوطنية العميد يحيى وحيش، الذي استهدف بعبوة ناسفة في مدينة الخوخة جنوبي الحديدة، في عملية رأى مراقبون أن المليشيات حاولت استثمارها لرفع معنويات عناصرها وتهيئة الأرضية لهجوم واسع على جبهة حيس.

إلا أن التطورات الميدانية أظهرت فشل تلك الحسابات، بعدما واجهت القوات المهاجمة مقاومة عنيفة أجبرتها على الانسحاب، تاركة خلفها عشرات القتلى والجرحى.

ويرى مراقبون أن ما جرى في جبل دباس يعيد إلى الأذهان المعارك التي شهدتها جبهات كيلو 10 والخمسين والحلقة شرقي مدينة الحديدة، عندما دفعت المليشيات بآلاف المقاتلين خلال سنوات في محاولات متكررة لإحداث اختراق ميداني، لكنها تكبدت خسائر بشرية كبيرة دون تحقيق أهدافها.

وقال الصحفي والناشط الحقوقي بسيم الجناني إن الحوثيين يكررون السيناريو ذاته في جبل دباس، نظرًا لما يمثله الموقع من أهمية استراتيجية تمكن من يسيطر عليه من الإشراف على مديرية حيس وسواحل الخوخة والبحر الأحمر، وهو ما يفسر استمرار الحشود والهجمات المتكررة رغم الكلفة البشرية المرتفعة.

وأضاف أن عشرات الجثث لا تزال ملقاة في محيط جبل دباس منذ أيام، بعد عجز المليشيات عن سحبها تحت نيران المقاومة، في وقت تواصل فيه الدفع بمزيد من أبناء المديريات الخاضعة لسيطرتها نحو الجبهة، في سياسة تعتمد على تعويض الخسائر البشرية بموجات جديدة من المقاتلين.

ويرى مراقبون أن معركة جبل دباس تحمل رسائل تتجاوز حدودها الجغرافية، إذ أكدت أن جبهة الساحل الغربي ما تزال تمتلك قدرة عالية على استنزاف المليشيات وإفشال مخططاتها، وأن السيطرة على حيس ستظل هدفًا بعيد المنال في ظل تماسك دفاعات المقاومة الوطنية، التي حولت المرتفعات الاستراتيجية إلى خط صد متقدم يحول دون أي تغيير في خريطة السيطرة جنوب محافظة الحديدة.