قلق إيراني من تفاهمات واشنطن وبكين يهدد مصالحها الاستراتيجية
العالم - منذ 3 ساعات و 40 دقيقة
لندن، نيوزيمن:
تتجه الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران نحو مزيد من التعقيد، في ظل جمود واضح في مسار التفاوض، وتزايد المؤشرات على أن الصراع لم يعد محصوراً في بعده الثنائي، بل بات مرتبطاً بتوازنات دولية أوسع تتصدرها العلاقة المتشابكة بين واشنطن وبكين، وما قد ينتج عنها من تفاهمات تمسّ المصالح الإيرانية بشكل مباشر.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة "العرب"، فإن طهران تتابع بقلق بالغ القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ، وسط مخاوف من أن تتحول التحولات الجارية في العلاقات الدولية إلى منصة لإعادة توزيع النفوذ، بما قد يضعف موقع إيران كشريك استراتيجي للصين، خصوصاً في ظل اعتمادها المتزايد على بكين اقتصادياً وسياسياً.
وتأتي هذه المخاوف في سياق تداعيات الحرب الأخيرة التي شهدت تصعيداً عسكرياً وسياسياً بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما رافقها من ضغط اقتصادي غير مسبوق، شمل العقوبات والحصار البحري والتوتر في الممرات المائية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
وتُعد العلاقة مع الصين أحد أعمدة الصمود الاقتصادي الإيراني، إذ تمثل بكين أكبر مستورد للنفط الإيراني، إضافة إلى كونها منفذاً رئيسياً للتكنولوجيا والتعاملات المالية في ظل القيود الغربية. لذلك تنظر طهران إلى أي تقارب أميركي–صيني محتمل باعتباره تهديداً مباشراً قد ينعكس على قدرتها على الالتفاف على العقوبات.
في المقابل، تشير التحليلات إلى أن الولايات المتحدة تسعى لاستثمار ملف العلاقات مع الصين كورقة ضغط غير مباشرة على إيران، عبر محاولة دفع بكين إلى تقليص مستوى تعاونها مع طهران، مقابل حوافز اقتصادية وتجارية في ملفات أخرى، ما يجعل إيران في قلب مساومات دولية معقدة تتجاوز حدود الإقليم.
وفي هذا السياق، ترى طهران أن بكين قد تلعب دوراً محورياً في أي تسوية مستقبلية، حيث تسعى لإبقاء الصين ضمن دائرة الضمانات السياسية لأي اتفاق محتمل، سواء في ملف الحرب أو في ترتيبات ما بعد التهدئة، وهو ما عبّر عنه مسؤولون إيرانيون بدعوة الصين وروسيا للانخراط كضامنين محتملين.
لكن رغم ذلك، تبدو بكين حذرة في إدارة علاقتها مع الطرفين، إذ تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين شراكتها الاقتصادية مع إيران وتفادي الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل اعتمادها الكبير على استقرار أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التجارة الدولية.
وتشير المعطيات إلى أن الصين، رغم انتقادها للعقوبات الغربية ودعمها السياسي لطهران، لم تتخذ موقفاً تصعيدياً في الصراع، بل حافظت على خطاب محسوب يهدف إلى منع توسع الأزمة، ما يعكس إدراكاً صينياً بأن استمرار التوتر في الخليج قد يتحول إلى عبء اقتصادي واستراتيجي.
في المقابل، لا يبدو المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران أكثر مرونة، إذ اصطدمت المقترحات الأميركية الأخيرة بردود إيرانية متشددة تضمنت مطالب برفع العقوبات، وإنهاء القيود البحرية، وتعويض أضرار الحرب، وهي شروط اعتبرتها واشنطن غير واقعية في المرحلة الحالية.
ورد الإدارة الأميركية جاء سريعاً برفض تلك الشروط، مع الإبقاء على مقاربة تدريجية تبدأ بوقف التصعيد العسكري، قبل الانتقال إلى ملفات أكثر حساسية تشمل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني.
هذا الجمود في التفاوض ترافق مع تصاعد المخاوف في أسواق الطاقة العالمية، حيث شهدت أسعار النفط تقلبات حادة نتيجة التوتر في مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لإمدادات الطاقة العالمية، ما يعزز القلق من تداعيات اقتصادية ممتدة.
كما يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطاً داخلية متزايدة، في ظل تراجع التأييد الشعبي للحرب، وارتفاع أسعار الوقود، وتزايد التحفظات داخل الأوساط السياسية الأميركية بشأن الانخراط في مواجهة طويلة في الشرق الأوسط، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات انتخابية داخلية.
وفي إسرائيل، يواصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تبني خطاب متشدد، يعتبر أن العمليات العسكرية لم تحقق أهدافها النهائية، داعياً إلى استكمال الضغط العسكري على إيران بهدف تقليص قدراتها النووية والصاروخية، رغم الإبقاء على خيار الدبلوماسية قائماً.
أما على الجانب الإيراني، فقد تمسك الرئيس مسعود بزشكيان بخطاب التحدي، مؤكداً أن بلاده لن تخضع للضغوط، وأنها ماضية في الدفاع عن مصالحها الوطنية، في موقف يعكس محدودية هامش المناورة في ظل تزايد الضغوط الداخلية والخارجية.
ويجمع مراقبون على أن الأزمة الحالية تجاوزت إطارها الثنائي لتصبح جزءاً من صراع أوسع بين القوى الكبرى على النفوذ العالمي، حيث تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع التنافس الأميركي–الصيني، ما يجعل مستقبل التهدئة مرهوناً بتفاهمات دولية معقدة تتجاوز الملف الإيراني نفسه.
وبين هذا التشابك، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، من التهدئة المشروطة إلى التصعيد المحدود أو الواسع، في ظل غياب أرضية سياسية مشتركة بين الأطراف، واستمرار كل طرف في محاولة تعزيز موقعه التفاوضي بأدوات الضغط الاقتصادي والعسكري والسياسي.
>
